
تحلّ علينا ذكرى توقيع اتفاق التطبيع المشؤوم بين النظام المغربي والكيان الصهيوني في لحظة سياسية مؤلمة، اتسمت بخرقٍ سافر لإرادة الشعب المغربي ولمبادئه التاريخية الراسخة في دعم القضية الفلسطينية، ورفضه القاطع لكل أشكال العلاقة مع كيان الاحتلال. ويأتي هذا التغوّل الصهيوني في سياقٍ محلي يطبعه الرفض الشعبي الواسع لأي ارتباط بهذا الكيان، وهو رفض تُرجم من خلال الاستفتاءات الشعبية، كما تجسّد في خروج المغاربة قاطبة إلى شوارع مختلف المدن للتنديد بهذه العلاقة منذ توقيع الاتفاقية المشؤومة في دجنبر 2020.
هذا الاتفاق لم يكن سوى طعنة في ظهر الشعب المغربي، وضرباً لمواقف الأمة الإسلامية والعربية، وتكريساً لتحالفات مخزية مع كيان غاصب لا يعرف إلا منطق القتل، والتهجير، والاستيطان.
في هذه الذكرى، يجدد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب موقفه الثابت والراسخ الرافض لهاته الاتفاقية المشؤومة.
1-طوفان التطبيع في ظل الإبادة الجماعية في غزة:
من أبشع ما يفضح حقيقة التطبيع مع الكيان الصهيوني هو استمرار هذا الأخير في ارتكاب المجازر والإبادة الجماعية ضد شعبنا الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة. فمنذ 7 أكتوبر 2023، والعالم يشهد جرائم حرب غير مسبوقة: أكثر من 67,000 شهيد و170,000 جريح، غالبيتهم من الأطفال والنساء، فيما تُقدّر بعض الدراسات أن العدد الإجمالي للضحايا قد يتجاوز 100,000 خلال أكتوبر 2025 .كما تعرّضت أكثر من 90% من المنازل للدمار أو الضرر، ونزح حوالي 1.9 مليون فلسطيني من بيوتهم، إضافة إلى استهداف ممنهج للبنية التحتية الحيوية .
أما المؤسسات التعليمية، فقد طالتها آلة التدمير بدورها، حيث دمّر الاحتلال بشكل كلي أو جزئي أغلب الجامعات في قطاع غزة، من بينها الجامعة الإسلامية التي تعرضت لقصف مباشر، حيث وصل عدد الطلاب القتلى فقط 18,000 طالب حسب وزارة التعليم، إلى جانب آلاف المصابين، بالإضافة إلى تضرر عشرات المدارس والمؤسسات الأكاديمية، ما أدى إلى انقطاع التعليم العالي والبحث العلمي بشكل كامل في القطاع، هذا الاستهداف المباشر للعلم والمعرفة يكشف الطبيعة الحقيقية لهذا العدوان، ويجعل من استمرار أي علاقة رسمية مع الكيان خيانة صريحة لدماء الشهداء ولقيم العدالة والحرية.
2-الاختراق الأكاديمي والتطبيع داخل الجامعة المغربية.
من أخطر مظاهر التطبيع التي تستهدف الوعي الجماعي هي محاولات الاختراق الأكاديمي داخل الجامعات المغربية، حيث أصبح الحرم الجامعي، الذي ظل تاريخياً فضاءً للمقاومة، معرضاً لتغلغل المشروع الصهيوني عبر قنوات “بحثية” وثقافية مموهة. فبعد اتفاق التطبيع في دجنبر 2020، سُجّلت محاولات مباشرة لإدخال الكيان الصهيوني إلى الجامعة المغربية، من خلال اتفاقيات، محاضرات، وشراكات مشبوهة مع جامعات ومراكز بحث إسرائيلية. الهدف ليس فقط تبييض وجه الاحتلال، بل فرض واقع التطبيع الأكاديمي على الطلبة والأساتذة.
ومن أبرز هذه المحاولات:
-أبريل 2022 – جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P – بنجرير): الإعلان عن اتفاقية تعاون مع جامعة “بن غوريون” الإسرائيلية، شملت تبادل الباحثين ومشاريع بحثية مشتركة في الطاقة والماء، وهو ما أثار غضباً واسعاً في صفوف الطلبة والمجتمع المدني.
-شتنبر 2024 – شهدت جامعة شعيب الدكالي خطوة تطبيعية مستفزة، حيث تم إدراج “الجنسية الإسرائيلية” ضمن اختيارات تسجيل الطلبة الجدد، في سابقة خطيرة تعبّر عن محاولة تمرير التطبيع الأكاديمي بشكل ناعم داخل الجامعة المغربية، وضربٍ صارخ لوجدان الطلبة ومواقفهم التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية.
-مارس 2022 – ندوة تطبيعية في كلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية (HEM – الرباط): مشاركة صهاينة في ندوة حول “اتفاقات أبراهام”، بحضور ممثلين عن السفارة الإسرائيلية، في خطوة واضحة لاختراق الجامعة المغربية فكرياً وسياسياً.
-محاولات مكررة في جامعة ابن طفيل (القنيطرة) وجامعة عبد المالك السعدي (تطوان) لإقامة شراكات بحثية أو استضافة ضيوف من مؤسسات إسرائيلية.
وهناك تقارير عن إلغاء أو جدل حول استضافة أكاديميين إسرائيليين في جامعات مغربية، بسبب معارضة الطلبة لمواقفهم من الحرب.
التطبيع الأكاديمي في المغرب يتجلى في اختراق الجامعات عبر اتفاقيات وشراكات مع مؤسسات إسرائيلية، خاصة بعد اتفاق دجنبر 2020. هذه الخطوات تستهدف فرض التطبيع على الطلبة والأساتذة، رغم رفض واسع من المجتمع الجامعي والمدني.
3-القمع المخزني: استهداف ممنهج لصوت الطلبة المقاوم:
في خطوات جريئة تعكس خطورة ما سبق ذكره من اختراق صهيوني لبنية المجتمع المغربي، قام النظام المغربي *بإغلاق* الكليات التابعة لجامعة الحسن الثاني بعدما أعلن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب عن تنظيم ملتقاه الوطني السابع عشر سنة 2023، *منعٌ* دلّ على خطورة التطبيع من جهة، ومن جهة أخرى كان خير برهان على قوة صوت الطلبة المناهض لشتى أنواع التطبيع والاختراق.
وقد صاحب هذا المنع، قمع كبير وتغوّل سلطوي ضد طلبة عزّل ومناضلين صامدين، حيث سُجّلت أكثر من 200 إصابة في عام 2023. ولم يكن هذا المنع والقمع الأول من نوعه، بل سبقه منع نشاط ملتقى القدس الخامس في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة بالقوة سنة 2022، ومنع بعده كذلك ملتقى القدس السادس بجامعة عبد المالك السعدي في تطوان سنة 2023، وأنشطة أخرى تضامنية مع الشعب الفلسطيني في شتى جامعات المغرب، وما إغلاق جامعة مولاي إسماعيل بمكناس لنفس السبب عنّا ببعيد.
هذه الأحداث وغيرها تعكس تصعيد القمع ضد أي صوت حرّ يُعبّر عن التضامن مع القضية الفلسطينية داخل الجامعات المغربية.
4-الاتحاد الوطني لطلبة المغرب: حضور نضالي ثابت في صف القضية الفلسطينية:
في خضم المعركة البطولية معركة طوفان الأقصى، ظل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ثابثًا في مواقفه النبيلة، حيث لم يتوان عن تقديم الدعم المستمر لقضية فلسطين. فقد نظم الاتحاد العديد من حملات الغضب والإضرابات الطلابية، إلى جانب سلسلة من الأنشطة الوطنية التي استهدفت دعم القضية الفلسطينية في أكثر من 32 مؤسسة عبر مختلف الكليات.
وفي إطار توثيق هذه الجهود المباركة، أصدرت الكتابة الوطنية للاتحاد تقريرًا مصوّرًا يوثق الأنشطة والفعاليات التي قام بها مناضلو ومناضلات الاتحاد منذ بداية معركة “طوفان الأقصى”. التقرير يبرز الدعم المستمر والإسناد اللا مشروط الذي قدمه الاتحاد طوال أكثر من 400 يوم من الحرب على غزة .
ورغم التحديات وحجم المعاناة، لم يتوانَ الاتحاد عن أداء دوره في نصرة القضية الفلسطينية، عبر أنشطة ومواقف ميدانية تُجسّد انخراطه الواعي والصلب في المعركة ضد التطبيع. وإن كنا نرى أن ما نقدّمه لا يرقى إلى تضحيات شعبنا في غزة، فإننا نعتبره امتداداً لنضال واحد، يجمعنا فيه الوعي والمصير والموقف. وسنظل في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب واقفين، شامخين، جسداً واحداً، وسداً منيعاً في وجه كل محاولات طمس القضية وتصفية الوعي.
في الختام، إن مبدأ التقدمية الذي يتبناه الاتحاد الوطني لطلبة المغرب يشكّل العمود الفقري لنضاله المستمر والدؤوب في مختلف القضايا الوطنية والعربية والاسلامية، وفي مقدمتها القضية الأم، القضية الفلسطينية. فالـاتحاد لم يكن يوماً غائباً عن معارك الوعي والعدالة، بل كان وسيظل في طليعة الفاعلين المدافعين عن حقوق الشعوب المستضعفة، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت نير الاحتلال والظلم.
ورغم ما يحيط بالقضية الفلسطينية من محاولات التصفية والتطبيع وكسر الوعي، فإنها ستظل حيّة في ضمير الشعوب، وفي مقدمتها ضمير الطلبة الذين شكّلوا عبر التاريخ طليعة الرفض والمقاومة. فالجامعة ستبقى فضاءً لإنتاج الوعي، وحاضنة للموقف الحر، وعصيّةً على الاختراق مهما كانت أساليبه.
إن دعم الطلبة للقضية الفلسطينية ليس موقفا عاطفيا عابرا للشعب المغربي وللاتحاد باعتباره مكون رئيسي من هذا الشعب العريق، بل خيار مبدئي واستراتيجي يتجدد مع كل مرحلة، ويزداد رسوخا كلما اشتد العدوان وتكشفت حقيقة الاحتلال. ومن هذا المنطلق، فإن الرهان على إخماد الصوت الطلابي رهان خاسر، لأن جيل الوعي لا يهزم، ولأن فلسطين ستظل قضية الأحرار، ما دام في الجامعات طلبة يؤمنون بأن الحرية لا تُجزأ، وأن معركة الوعي هي المقدّمة الحقيقية لكل تحرّر قادم.