Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
الرئيسيةرأي حر

الحرية الأكاديمية في المغرب بين نتائج القياس الدولي وحدود الإطار القانوني

تُظهر نتائج مؤشر الحرية الأكاديمية (Academic Freedom Index) لسنة 202 الصادر حديثا عن جامعة فريدريش ألكسندر إرلانجن-نورنبيرغ بألمانيا (FAU) ومعهد V-Demالسويدي، أن وضع الحرية داخل الجامعة المغربية يستدعي قراءة تحليلية تتجاوز الرقم المعلن عنه (المغرب في المركز الـ109 عالميا)، وذلك عن طريق تفكيك معطياته ومساراته. فقد سجل المغرب معدلاً عاما بلغ 0.48، وهو ما يعكس تموقعاً متأخراً، غير أن دلالة هذا الرقم تتضح أكثر عند النظر إلى المؤشرات الفرعية: حرية البحث والتدريس (2.40)، التبادل الأكاديمي ونشر المعرفة (2.56)، الاستقلالية المؤسسية (2.16)، حرمة الحرم الجامعي (1.72)، وحرية التعبير الأكاديمي والثقافي (2.60) (المصدر: مشروع V-Dem، مؤشر الحرية الأكاديمية 2025).

بيد أن المعطى الأكثر دلالة في هذا السياق هو المسار التراجعي لمؤشر حرمة الحرم الجامعي، الذي انتقل من 2.96 سنة 2022 إلى 2.75 سنة 2023، ثم 2.56 سنة 2024، قبل أن ينخفض بشكل حاد إلى 1.72 سنة 2025 (المصدر نفسه). هذا الانحدار المتواصل لا يعكس مجرد تذبذب ظرفي، بل يشير إلى تحول تدريجي في طبيعة البيئة الجامعية، من حيث قدرتها على توفير فضاء آمن ومستقل لممارسة البحث والنقاش الأكاديمي، ويُقصد بحرمة أو نزاهة الحرم الجامعي (Campus Integrity)، وفق منهجية مشروع V-Dem، مدى خلو الفضاء الجامعي من التدخلات أو الضغوط ذات الطابع السياسي أو الأمني أو التنظيمي التي قد تعيق حرية النشاط الأكاديمي، بما في ذلك المراقبة، أو التضييق، أو العنف، أو منع الأنشطة داخل الجامعة،ولا يتعلق الأمر بالإجراءات التنظيمية العادية، بل بكل ما من شأنه التأثير المباشر أو غير المباشر على استقلال الفضاء الجامعي وسلامة اشتغاله (المصدر: V-Dem Methodology، Academic Freedom Index).

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام معزولة عن بعض الوقائع التي شهدها الفضاء الجامعي في السنوات الأخيرة، حيث سُجلت حالات مرتبطة بمنع أنشطة طلابية ذات طابع فكري وتنظيمي، من بينها منع الملتقى الوطني السابع عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 2023، إلى جانب منع تظاهرات طلابية مرتبطة بالقضية الفلسطينية في مدن مثل: القنيطرة (2022) وتطوان(2024)، فضلاً عن تسجيل حالات تضييق أو اعتداء على الطلبة داخل الحرم الجامعي. وتُقرأ هذه الوقائع عند التعامل معها بوصفها مؤشرات نوعية، في انسجام مع التراجع الذي يرصده المؤشر على مستوى حرمة الفضاء الجامعي.

فضلا عن ذلك، فإن ضعف الاستقلالية المؤسسية (2.16) يظل عنصرا مفسرا أساسياً؛ إذ حسب نفس المصدر، تشير الاستقلالية المؤسسية (Institutional Autonomy) إلى مدى قدرة الجامعة على اتخاذ قراراتها بشكل مستقل عن السلطة السياسية، سواء فيما يتعلق بالتدبير، أو التوجهات الأكاديمية، أو البحث العلمي. وعندما يكون هذا المستوى محدوداً، فإن أثره يمتد إلى باقي مكونات الحرية الأكاديمية، بما فيها حرمة الحرم الجامعي وحرية التعبير.

وفي هذا السياق، يمكن استحضار الإطار القانوني المنظم للتعليم العالي بوصفه عنصراً تفسيرياً؛ حيث يبرز عن طريق مشروع القانون 59.24 أن مسار إعداد السياسات الجامعية ومضامينها يطرحان بدورهما سؤال المشاركة والاستقلالية. فمن حيث المنهج، امتد إعداد المشروع منذ سنة 2013 إلى غاية تقديمه في شتنبر 2025، دون أن يواكبه إشراك فعلي وواسع للفاعلين الأساسيين داخل الجامعة، من طلبة وأساتذة وإداريين، وهو ما يثير إشكال المقاربة التشاركية في صياغة قانون مؤطر لمنظومة التعليم العالي.

أما من حيث المضمون، فإن استحداث مجلس الأمناء بتركيبة يغلب عليها التعيين وتهيمن فيها السلطة التنفيذية والترابية (الوالي وممثلي الحكومة) على مفاصل القرار الأكاديمي فيمقابل تهميش حاد لتمثيلية الأساتذة الباحثين وإقصاء رؤساء المؤسسات من دائرة التأثير الفعلي؛ هو ما يؤدي في المحصلة إلى تجريد الفاعل الأكاديمي من سلطته الطبيعية، وتحويل رئيس الجامعة من قائد بيداغوجي وعلمي إلى مجرد منفذ إداري تابع لإرادة أطراف من خارج الحرم الجامعي؛ ما يعكس توجهاً نحو إعادة ترتيب مراكز القرار داخل الجامعة، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود الاستقلالية الفعلية في تدبير الشأن الأكاديمي.

إن الربط بين هذه المعطيات يقود إلى خلاصة واضحة: نتائج مؤشر الحرية الأكاديمية لا تفهم بوصفها حكما خارجيا منفصلاً، بل باعتبارها انعكاساً لواقع مؤسساتي تتداخل فيه محدودية الاستقلالية مع تراجع شروط الممارسة الأكاديمية داخل الجامعة؛ وعليه، فإن أي نقاش جاد حول الحرية الأكاديمية في المغرب لا يمكن أن يقتصر على تحسين الترتيب أو تعديل النصوص، وإنمايتطلب تعزيز شروطها الفعلية داخل الفضاء الجامعي: حماية حرمة الحرم الجامعي، توسيع هامش الاستقلالية المؤسسيةوالفعل النقابي، وضمان بيئة تسمح بممارسة حرية التعبير والأنشطة الطلابية دون قيود غير مبررة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى