Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
الرئيسيةرأي حر

” القانون 59.24: إصلاح أم وصاية على الجامعة العمومية؟ “

يأتي تمرير مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار في سياق مقلق، يتسم بغياب كامل لأي حوار ديمقراطي جاد مع الفاعلين الحقيقيين داخل الجامعة العمومية: الطلبة، الأساتذة الباحثون، النقابات، ومختلف مكونات الحقل الجامعي. وهو ما يجعلنا، نؤكد أن ما جرى لا يمكن وصفه بإصلاح، بقدر ما هو فرض فوقي لنص تشريعي مصيري يرسم مستقبل الجامعة المغربية وملايين الطلبة، دون إشراك من يعيشون يوميا واقعها وإكراهاتها وتناقضاتها.

لقد تم إعداد هذا المشروع والمصادقة عليه داخل المجلس الحكومي ثم إحالته على البرلمان، في زمن العطلة، وبمنطق السرعة والاستعجال، في خرق صريح لمنهجية المقاربة التشاركية التي ينص عليها الدستور، وتكرسها القوانين الإطار ذات الصلة بمنظومة التربية والتكوين.

يتضمن مشروع القانون 59.24 مقتضيات خطيرة تمس جوهر الجامعة العمومية، في مقدمتها إحداث “مجلس الأمناء” ومنحه صلاحيات واسعة في التسيير والتوجيه الاستراتيجي، على حساب مجلس الجامعة والهياكل المنتخبة. فبدل تعزيز الديمقراطية الجامعية، يقوم المشروع بتكريس منطق التعيين والوصاية، ويعيد توزيع السلطة داخل الجامعة بشكل يجعل القرار الأكاديمي والبيداغوجي يتخذ خارج الفضاء الجامعي، وبعيدا عن الأساتذة والطلبة.

إن توسيع اختصاصات مجلس الأمناء، ليشمل إبداء الرأي في استراتيجية تطوير الجامعة، وبرنامج عملها السنوي، وتتبع العقود–البرامج مع الدولة، والمصادقة على إحداث أو دمج أو حذف المؤسسات الجامعية، يجعل منه جهازا فوقيا ذا طابع تقريري، ويحول مجلس الجامعة إلى بنية شكلية، مفرغة من أدوارها التاريخية. وهو ما يشكل ضربا مباشرا لاستقلالية الجامعة كما هي متعارف عليها دوليا، ونسفا لمبدأ التدبير الذاتي القائم على المشاركة والتمثيلية.

تهميش المنتخبين وإفراغ الديمقراطية الجامعية

يزيد المشروع من حدة هذا التوجه عبر تقليص تمثيلية الأساتذة الباحثين والطلبة داخل مجلس الجامعة، والتنصيص على إمكانية اعتباره مكونا قانونيا حتى في حال عدم انتخاب الأعضاء المنتخبين داخل الآجال المحددة. إن هذا المقتضى، في جوهره، لا يعدو أن يكون إفراغا للانتخاب من مضمونه الديمقراطي، وتحويل التمثيلية إلى عنصر ثانوي غير مؤثر، بما يكرس منطق التدبير الإداري البيروقراطي، ويقصي الطلبة من أي دور فعلي في اتخاذ القرار داخل مؤسستهم.

من جهة أخرى، يكرس مشروع القانون خيار الشراكة مع القطاع الخاص كمسار “استراتيجي”، دون أي ضمانات صريحة تحمي الجامعة العمومية من الخوصصة المقنعة، ومن تحويل المعرفة إلى سلعة تخضع لمنطق السوق. بل أكثر من ذلك، يفتح المشروع الباب أمام تفكيك وحدة التعليم العالي، وتشجيع التعليم العالي الخاص، ومنحه أدوارا تمس السيادة الأكاديمية ومصداقية الشهادات الوطنية.

أما على مستوى التمويل، فإن ربطه بمنطق النجاعة والأداء، والتنصيص على مساهمة الجماعات الترابية والمستفيدين في تمويل خدمات الإيواء والإطعام والمنح، يشكل تهديدًا حقيقيا لمبدأ مجانية التعليم العالي وتكافؤ الفرص. فهذا التوجه ينذر بتعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية بين الطلبة، وجعلهم يدفعون ثمن أزمة بنيوية لم يكونوا سببا فيها، بدل معالجة الاختلالات عبر تمويل عمومي كاف ومستدام للجامعة العمومية.

وفي الوقت الذي يروج فيه لخطاب “الجودة” و”الابتكار”، يتجاهل مشروع القانون الأسباب البنيوية الحقيقية لأزمة التعليم العالي: الاكتظاظ المهول، الخصاص الحاد في الأساتذة الباحثين، ضعف البحث العلمي، هشاشة البنيات التحتية، وتدهور الخدمات الاجتماعية. ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون مواجهة هذه الأعطاب بجرأة سياسية، وإرادة واضحة تجعل من الجامعة العمومية أولوية وطنية، لا مجالا للتجريب أو التسويق الخطابي.

إن الأخطر في هذا المسار ليس فقط مضمون المشروع، بل الطريقة السلطوية التي يتم بها تمريره، في تغييب مقصود للحوار، وبتحويل النقاش حول مستقبل الجامعة إلى مجرد أرقام وتصويت داخل اللجان البرلمانية، بدل أن يكون نقاشا مجتمعيا واسعا، تشارك فيه كل القوى الحية.

نحن، كطلبة ومناضلين داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، نؤكد أن التعليم العالي حق اجتماعي أساسي وليس مجالا للاستثمار، وأن الجامعة العمومية ليست مقاولة، بل فضاء لإنتاج المعرفة وبناء الوعي وخدمة التنمية الوطنية. ونؤكد، مرة أخرى، أنه لا إصلاح دون حوار ديمقراطي حقيقي، ودون إشراك فعلي للطلبة والأساتذة وكل مكونات الجامعة.

إن مشروع القانون 59.24، بصيغته الحالية، لا يعبر عن تطلعات الطلبة، ولا يستجيب لحاجيات الجامعة العمومية، ولذلك فإن نضالنا سيظل مستمرا دفاعا عن جامعة عمومية ديمقراطية، مستقلة، مجانية، وفي خدمة أبناء الشعب المغربي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى