Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
الرئيسيةرأي حر

مؤشر مخاطر النزاهة في البحث العلمي (RI²) 2025: قراءة في مؤشرات الضعف الهيكلي ورهانات الحوكمة الأكاديمية في الجامعات المغربية

أعاد إصدار مؤشر مخاطر النزاهة في البحث العلمي (Research Integrity Risk Index – RI²) لسنة 2025، الذي طوره الدكتور لقمان مِحّو من الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB) ونُشرت منهجيته في مجلة Scientometrics (المجلد 130، 2025)، فتح نقاش نوعي حول واقع الممارسات البحثية في الجامعات المغربية. بيد أن قراءة هذا المؤشر لا ينبغي أن تقف عند حد تصنيف الجامعات في فئات الخطر (مرتفع جداً، مرتفع، تحت المراقبة)، وإنما تستدعي تفكيك مكوناته البيبليومترية الأربعة، وتتبع دلالاتها في السياق المؤسسي الوطني، وربطها بسياسات النشر والحوافز الأكاديمية السائدة.

لقد شمل المؤشر عشر جامعات مغربية عمومية، توزعت بين فئات المخاطر الثلاث، دون أن تدرج أي منها ضمن فئتي “الخطر المنخفض” أو “التباين الطبيعي”، وهو ما يطرح إشكالاً بنيوياً يتجاوز سلوكيات فردية ليصبح مؤشراً على هشاشة منظومة حوكمة البحث العلمي بالمغرب.

تفكيك المؤشرات الفرعية: أين تتمركز المخاطر؟

يعتمد مؤشر RI² على أربعة مؤشرات فرعية قابلة للقياس والتحقق، تقدم كل واحدة منها عدسة مختلفة لرصد مواطن الخلل في ممارسات النشر (المصدر: موقع RI² الرسمي)؛

1. معدل المجلات المفصولة (D-Rate): ويقيس نسبة منشورات المؤسسة في مجلات تم فصلها لاحقاً من قاعدتي ScopusوWeb of Science، بسبب مخالفات في المعايير التحريرية أو ممارسات النشر غير الأخلاقية.

2. معدل الأبحاث المسحوبة (R-Rate): ويُحتسب بعدد الأبحاث المسحوبة (Retracted) لكل 1000 منشور، بالاعتماد على قاعدة بيانات Retraction Watch وPubMed، مما يكشف عن مدى انتشار الأخطاء الجسيمة أو المخالفات الأكاديمية.

3. معدل الاستشهاد الذاتي المفرط (S-Rate): وهو مؤشر على محاولات تضخيم التأثير العلمي بشكل غير موضوعي، عبر الاستشهاد المكثف بأبحاث المؤسسة نفسها.

4. معدل التعرض للاستشهاد بالأبحاث المسحوبة (C-Rate): وهو مؤشر تجريبي أُدرج في نسخة 2025، ويقيس نسبة منشورات المؤسسة التي تستشهد بأبحاث تم سحبها رسمياً قبل 12 شهراً على الأقل، مما يشير إلى استمرار تداول المعرفة غير الموثوقة في الأوساط الأكاديمية للمؤسسة.

وتخضع هذه المؤشرات الأربعة لعملية تطبيع مجالي (Field-Normalization) وتقييس (0-1) لضمان العدالة بين التخصصات، قبل أن تُدمج في درجة RI² النهائية التي تحدد فئة الخطر (خمس فئات: علم أحمر، خطر مرتفع، قائمة المراقبة، تباين طبيعي، خطر منخفض).

وعليه، فإن استمرار النشر في مجلات مفصولة، وتداول أبحاث مسحوبة كمراجع معتمدة، لا يهدد سمعة الجامعة فحسب، بل يُفقد الطلبة ثقتهم في المعرفة التي يتلقونها، ويُشوه قدراتهم النقدية في التمييز بين البحث الرصين والبحث المشبوه.

تحليل توزيع الجامعات المغربية ودلالات الفئات

وفقاً لتقرير سنة 2025، توزعت الجامعات المغربية العمومية المشمولة بالمؤشر على الشكل التالي (المصدر: تقرير RI²):

مرتفع جداً: (علم أحمر) جامعة ابن طفيل – القنيطرة.
مرتفع: ابن زهر (أكادير)، الحسن الثاني (الدار البيضاء)، محمد الخامس (الرباط)، سيدي محمد بن عبد الله (فاس).
تحت المراقبة: عبد المالك السعدي، السلطان مولاي سليمان، مولاي إسماعيل، محمد السادس متعددة التخصصات، القاضي عياض.

يُلاحظ من هذا التوزيع أن 5 جامعات (نصف العينة) وقعت في فئتي “الخطر المرتفع” و”المرتفع جداً”، وهي جامعات كبرى تستأثر بحصة الأسد من الإنتاج العلمي الوطني؛ وهذا يعني أن حجم الإنتاج العلمي – الذي غالباً ما يُحتفي به في المؤشرات الكمية – يقترن، في هذه الحالة، بمخاطر نوعية مرتبطة بضعف الضبط والرقابة على ممارسات النشر، أما فئة “تحت المراقبة”، فضمت 5 جامعات أخرى، وهو وضع يعكس وجود مؤشرات خطر معتدلة تستدعي تطوير آليات وقائية، قبل أن تتحول إلى مخاطر هيكلية.

المسار الهيكلي للمخاطر وغياب سياسات النزاهة:

لا تشير هذه النتائج إلى مجرد تذبذب ظرفي أو حالات فردية، بل تكشف عن ضعف هيكلي في منظومة حوكمة البحث العلمي، وذلك لعدة أسباب تفسيرية:

1. سياسات الحوافز المشروطة بالكم: تخضع الجامعات المغربية لأنظمة تقييم وحوافز (ترقية، تمويل) تولي وزناً كبيراً لعدد المنشورات في المجلات المفهرسة دولياً، دون مرافقتها بضوابط رادعة للجودة. وهذا يخلق ضغوطاً على الباحثين للنشر في مجلات قد تكون مفترسة أو ضعيفة التحكيم، وهو ما يفسر ارتفاع مؤشري D-Rate وR-Rate في العديد من المؤسسات.

2. غياب المكاتب المؤسساتية للنزاهة العلمية: تفتقر معظم الجامعات المغربية إلى هياكل دائمة مكلفة بتتبع شكاوى الانتحال، والتلاعب بالبيانات، أو النشر المزدوج. كما تخلو سياساتها الداخلية من إجراءات تحقيق شفافة ورادعة في حالات سوء السلوك العلمي.

3. ضعف التكوين في أخلاقيات البحث: لا يشمل المناهج الدراسية العليا تكويناً إلزامياً ومنتظماً في قواعد النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات النشر، مما يجعل العديد من الباحثين، خاصة في بداية مسارهم، فريسة للممارسات غير السوية دون وعي كافٍ بالمخاطر.

الإطار التنظيمي والمؤسساتي: غياب المرجعيات الرادعة

يمكن قراءة هذه النتائج في ضوء الإطار القانوني والتنظيمي المنظم للتعليم العالي والبحث العلمي في المغرب. فرغم وجود النصوص القانونية المنظمة للبحث (كقانون 01-00)، فإنها تفتقر إلى آليات واضحة ومفصلة لمكافحة الانتحال العلمي أو وضع عقوبات رادعة للمخالفات الأكاديمية الجسيمة. كما أن غياب هيئة وطنية مستقلة للنزاهة العلمية، مهمتها مراقبة جودة المنشورات وتتبع حالات السحب (Retractions) وربطها بالمؤسسات، يجعل الجامعات تعيش في عزلة رقابية، حيث يبقى كل فريق بحثي مسؤولاً عن تقييم أخلاقيات عمله دون رقابة خارجية منهجية.

وهذا الفراغ التنظيمي يقود، في المحصلة، إلى تنامي المخاطر التي يرصدها المؤشر، دون أن تقابلها استجابة مؤسساتية تصحيحية على مستوى الوطني، فضلا عن مشروع القانون 59.24، الذي يعيد إنتاج هيمنة السلطة التنفيذية على مفاصل القرار الأكاديمي، ويُكرس تبعية رئيس الجامعة للمؤسسات الخارجية بدلاً من جعله قائداً أكاديمياً مستقلاً.

خلاصة

عند تركيب المؤشرات الفرعية الأربعة مع دلالات توزيع الجامعات المغربية، وعاملَي السياق المؤسساتي والفراغ التنظيمي، تتبلور خلاصة رئيسية: مؤشر RI² لا يُصدر حكماً أخلاقياً على الباحثين الأفراد، بل يرسم خرائط تشخيصية دقيقة لمواطن الضعف الهيكلي في منظومة النزاهة البحثية الوطني؛ فالرهان على الكم دون النوع، وإهمال التكوين الأخلاقي، وغياب المراقبة المؤسساتية الرادعة، يخلقون أرضاً خصبة لتنامي المخاطر التي تكشفها البيانات البيبليومترية، ويجعلون الجامعات المغربية عرضة لفقدان الثقة في إنتاجها العلمي على المستوى الدولي.

وبما أن RI² يظل، في جوهره، أداة تشخيص موضوعية لا أكثر، فإنه يمنح الجامعات المغربية فرصة تاريخية لمراجعة سياساتها البحثية من الداخل، والانتقال من سباق الكم العبثي إلى بناء نظام أكاديمي قائم على الثقة والمصداقية والشفافية، وهو ما يمثل رهاناً استراتيجياً لتعزيز تنافسيتها العلمية. غير أن هذه الفرصة ستظل حبراً على ورق، ما لم تواكبها مقاربة إصلاحية جذرية وشجاعة، تبدأ بمراجعة منظومة الحوافز والتمويل، وتمر بتفعيل هيئات نزاهة مستقلة ذات صلاحيات تحقيقية، وتنتهي بإشراك الطلبة في صناعة القرار الأكاديمي، لأنهم ليسوا مجرد متلقين سلبيين، بل شركاء فاعلين في بناء مستقبل جامعتهم.

ومن موقعنا النضالي الراسخ، نؤكد أن لا إصلاح دون نزاهة، ولا نزاهة دون استقلالية، ولا استقلالية دون إرادة سياسية صادقة. فمعركة النزاهة العلمية هي معركة وجودية لمستقبل التعليم العالي في المغرب، ومعركتنا من أجلها مستمرة، لأن مستقبل الجامعة يبدأ من نزاهة بحثها، كما أن مستقبل الوطن يبدأ من جودة تعليمه العالي وكرامته الأكاديمية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى