
ما لم يُقرأ اليوم، سيكُتب غداً
في أيام قليلة من يوليوز المنصرم، لم تعد مدينة سبتة المحتلة مجرد معبر حدودي، بل تحولت إلى مسرح لواحدة من أكبر عمليات العبور الجماعي التي شهدتها المنطقة منذ أزمة 2021؛ آلاف الأمهات والقاصرين وشباب مغاربة لم يتجاوزوا عشرينيات أعمارهم، جميعهم حاولوا اختراق الشريط الحدودي، إما عبر البحر أو سيراً على الأقدام، في مشهد أربك السلطات الإسبانية قبل أن يربك السلطات المغربية نفسها.
ولكن الحدث، وإن كان مربكاً أمنياً وسياسياً، إلا أن الجانب الإنساني منه كان هو الأفظع؛ عشرات الجثث انتُشلت من مياه المضيق، بعضها ما زال أصحابها في قائمة المجهولين، ومشاهد تدفع الناظر إلى السؤال: ما الذي دفع هؤلاء إلى الفرار؟ أبناء يحملون أمهاتهم على ظهورهم، ورضع لم تتجاوز أعمارهم الأشهر تحتضنهم أمهاتهم والموج يضرب كليهما… آلاف الصور والمشاهد لا تجعل الفرار حادثاً عابراً، ولا مجرد ملف أمني يُدار بمنطق مراقبة الحدود، بل كان—كما وصفه أحد التقارير المحلية—صفارة إنذار ينبغي أن تقلق صناع القرار أكثر بكثير مما تقلق الأجهزة الأمنية.
الأرقام الوطنية تفضح جزءاً من الحقيقة: بطالة الشباب (15-24 سنة) تقارب 37\%، أي ثلاثة أضعاف المعدل الوطني. والأخطر أن هذه الأرقام لا تعكس حجم الكارثة بالكامل، إذ تقصي المنهجية الرسمية من “العاطلين” كل من يعمل ساعة واحدة في الأسبوع، أو يئس من البحث عن عمل، أو يشتغل في القطاع غير المهيكل دون حماية؛ وبذلك يكون الرقم المعلن السقف الأدنى للأزمة، وليس صورتها الكاملة.
لهذا فإن قراءة ما جرى وحصره في “أزمة هجرة” قراءة مضللة تُريح وتبرئ النظام السياسي أكثر مما تكشف الحقيقة؛ فما وقع لم يكن خرقاً أمنياً، بل كان فضحاً لإفلاس الدولة في إقناع أبنائها بأن البقاء يستحق المخاطرة، وأن الوطن سيمنحهم ما تطمحون إليه. فحين يفضل آلاف الشباب الموت غرقاً على البقاء، والارتماء نحو المجهول على التخبط للحصول على أدنى مقومات الحياة، فهي رسالة وحكم جيل كامل على النموذج الذي يحكمه. فبعد عشرات المخططات الحكومية المتعاقبة، لم تُترجم يوماً أي منها إلى أفق ملموس يستحق شباب هذا الوطن أن يبقوا من أجله، وأن يضحوا لتحقيقه.
وخلف مشهد سبتة، معطيات وطنية أوسع من الحدث؛ إذ تكشف أرقام المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2025 عن خلل بنيوي عميق في علاقة الدولة بشبابها:
ما يقارب 77.3\% من شباب الفئة العمرية (15-24 سنة) يوجدون أصلاً خارج دائرة السكان النشيطين اقتصادياً، فهم لا يبحثون عن عمل بعد أن فقدوا الأمل في إيجاده.
قرابة 2.9 مليون شاب مغربي لا يشتغلون، ولا يدرسون، ولا يتابعون أي تكوين مهني؛ أي إن واحداً من كل ثلاثة شباب يعيش في فراغ مؤسساتي كامل.
حاملو الشهادات الجامعية، الذين يُفترض أن يكون التعليم بالنسبة لهم مصعداً اجتماعياً، يسجلون معدل بطالة يقارب 19\%.
وهذه ليست أرقاماً معزولة عن حدث معبر سبتة، بل هي التي أسست لحدث سبتة نفسه، غير أنها مكتوبة بلغة الإحصاء عوض لغة الصورة.
إن المفارقة الأكثر إيلاماً أن هذا الانسداد يترافق مع خطاب رسمي متفائل حول الأداء الاقتصادي؛ فقد حقق الاقتصاد المغربي نمواً بنسبة 4.9\% خلال سنة 2025، وارتفع الاستثمار الثابت بـ 14.4\%، لكن استهلاك الأسر—أي المقياس الأقرب لجيب المواطن العادي—لم يتحرك سوى بنسبة 1.2\%. بهذا فإن النمو موجود، لكنه لا يصل إلا لفئة محدودة ومحددة سلفاً. والسؤال هنا ليس: لماذا لا يصل النمو؟ بل: إلى أين يذهب؟ فالاستثمار الثابت يتركز أساساً في العقار والبنية التحتية والمنشآت الكبرى، لا في الإنسان، ولا في التكوين، ولا في المقاولات الصغرى المُشغّلة.
وبينما تتضخم كلفة المشاريع الكبرى—كالاستعدادات لكأس العالم 2030 التي تناهز 5 مليارات دولار بين ملاعب ومركبات رياضية—تبقى مؤشرات التشغيل والتعليم والصحة العمومية بعيدة كل البعد عن مستوى هذا الإنفاق. هذا النموذج، القائم على تقديم الحجر على الإنسان، ليس عجزاً في الموارد، بقدر ما هو خيار في ترتيب الأولويات، وهو خيار سياسي يتجاهل الاستثمار في العنصر الشبابي.
قبل أشهر من أحداث سبتة، وتحديداً في 27 شتنبر 2025، عاش المغرب اشتعال موجة احتجاجات غير مسبوقة قادتها حركة “جيل زد”، والتي تشكلت بالكامل عبر المنصات الرقمية؛ إذ قفز عدد متابعيها على منصة “ديسكورد” (Discord) من 3 آلاف إلى أكثر من 188 ألفاً خلال أسبوع واحد. لم تكن مطالب الحركة غريبة عما كشفته سبتة لاحقاً، بل كانت مطالب أساسية: الصحة، التعليم، الشغل، ومحاربة الفساد، مع انتقاد توجيه الإنفاق العمومي نحو مشاريع رياضية كبرى وتهميش الأولويات.
لهذا لم تكن سبتة و”جيل زد” حدثين منفصلين، بل تعبيرين مختلفين عن جرح واحد؛ الأول هروب فردي صامت من الانسداد سلك سبيل البحر، والثاني مواجهة جماعية معلنة لنفس الانسداد وجدت سبيلها في الشارع، وهو مؤشر على أزمة ثقة أعمق من أي أزمة مطلبية عابرة.
ما يجمع بين المشهدين هو أعمق من الجغرافيا أو التوقيت؛ إنه قمع من نوع آخر، لا يُرى في تقارير حقوق الإنسان الرسمية ولا تُصوّره الكاميرات… قمع معنوي يومي، متراكم على مدى سنوات، عنوانه الكبير: أن لا أحد يسمع، وأن لا شيء يتغير… إلى أن يتكرر تعبير احتجاجي آخر ربما لن تجد له الدولة هذه المرة حلاً.
