
تُعدّ الحركة الطلابية المغربية من بين أكثر الظواهر السياسية إثارة للاهتمام داخل الحقل الجامعي، ليس فقط بحكم تاريخها النضالي، بل أيضًا بسبب موقعها الإشكالي داخل بنية النظام السياسي. فمنذ نشأتها، ارتبطت الحركة الطلابية بالسؤال السياسي العام، سواء عبر معارضتها للسياسات العمومية في مجال التعليم، أو من خلال انخراطها في قضايا تتجاوز الإطار الجامعي، لتلامس إشكاليات الديمقراطية، الحريات، والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، لا يمكن مقاربة الحركة الطلابية بوصفها مجرد حركة مطلبية ذات طبيعة فئوية، بل باعتبارها شكلًا من أشكال الفعل السياسي غير المؤسَّس، الذي يشتغل خارج القنوات التمثيلية الرسمية، ويعكس في عمقه أزمة الوساطة السياسية داخل المجتمع المغربي. فالجامعة، بدل أن تكون فضاءً تقنيًا لإنتاج الكفاءات، تحوّلت إلى مجال بديل لإنتاج المعارضة السياسية، خاصة في سياقات يتّسم فيها المجال العمومي بالضيق والتحكّم.
ينطلق هذا المقال من منظور العلوم السياسية النقدية، مستندًا إلى أعمال تشارلز تيلي حول الفعل الجماعي، ونظريات الدولة السلطوية كما صاغها نيكوس بولانتزاس، إضافة إلى تحليلات بيير بورديو حول الحقول الاجتماعية والعنف الرمزي، من أجل مساءلة موقع الحركة الطلابية داخل بنية السلطة وحدود قدرتها على إحداث التغيير.
وعليه، يطرح هذا المقال الإشكال التالي: إلى أي حد يمكن اعتبار الحركة الطلابية المغربية فاعلًا سياسيًا خارج المؤسسات قادرًا على إعادة تشكيل المجال السياسي، في ظل منطق الضبط السلطوي وإعادة هيكلة الجامعة وفق اختيارات نيوليبرالية؟
أولا: الحركة الطلابية كفعل سياسي غير مؤسَّس
يُشير مفهوم الفعل السياسي غير المؤسَّس إلى تلك الممارسات السياسية التي تتم خارج الإطار المؤسساتي الرسمي، ولا تخضع لمنطق التمثيل الانتخابي أو القنوات القانونية التقليدية. وفي هذا الإطار، تشكّل الحركة الطلابية نموذجًا دالًا لهذا النوع من الفعل، إذ تعتمد على التعبئة، الاحتجاج، وإنتاج الخطاب السياسي كآليات رئيسية للتأثير.
ولا تسعى الحركة الطلابية، بخلاف الأحزاب السياسية، إلى الوصول إلى السلطة، بل إلى مساءلة شرعيتها وإرباك منطق اشتغالها داخل فضاءات يُفترض أنها محايدة. ومن هنا، تكتسب الجامعة أهمية خاصة، باعتبارها مجالًا تتجمّع فيه فئة شبابية متعلّمة، قادرة على إنتاج خطاب نقدي، وعلى تحويل القضايا التعليمية إلى رهانات سياسية.
وقد لعب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب دورًا محوريًا في هذا السياق، من خلال تأطير الفعل الطلابي وربطه بأسئلة سياسية أوسع، وهو ما جعل الحركة الطلابية في كثير من اللحظات التاريخية في موقع المواجهة المباشرة مع الدولة.
وقد تجلّى هذا الطابع غير المؤسَّس في أشكال التعبئة التي عرفتها الجامعة خلال انتفاضات 1981 و1984، حيث تفاعلت المواقع الجامعية مع الاحتجاجات الاجتماعية المرتبطة بارتفاع الأسعار وسياسات التقويم الهيكلي. ففي عدد من الجامعات، تحوّلت الوقفات الطلابية إلى امتداد للاحتجاجات الشعبية، ما عكس طبيعة الحركة الطلابية كفاعل يتجاوز الإطار الفئوي ليرتبط بديناميات اجتماعية أوسع، دون أن يمتلك تمثيلية رسمية داخل مؤسسات صنع القرار.
ثانيا: الجامعة والدولة – منطق الضبط السلطوي
تتعامل الدولة مع الجامعة باعتبارها مجالًا استراتيجيًا مزدوج الوظيفة: فمن جهة، هي فضاء لإنتاج النخب وإعادة إنتاج النظام الاجتماعي، ومن جهة أخرى، تشكّل خطرًا سياسيًا محتملًا، بحكم قدرتها على إنتاج الوعي النقدي. ويُفسّر هذا التوتر اعتماد الدولة على مجموعة من آليات الضبط والتحكّم في الفضاء الجامعي.
ولا يقتصر هذا الضبط على القمع المباشر، بل يتّخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، يمكن توصيفها ضمن ما يُسمّى بـ السلطوية الناعمة، حيث يتم التحكم في الفعل الطلابي عبر القوانين، التنظيمات الإدارية، وإعادة هندسة التمثيلية الطلابية، بما يحدّ من استقلاليتها وقدرتها على الفعل.
ويُبرز هذا المنطق ما ذهب إليه بولانتزاس، حين اعتبر أن الدولة الحديثة تمارس سلطتها أساسًا عبر إعادة إنتاج التوازنات الاجتماعية، وليس فقط من خلال العنف المباشر.
يتجلى هذا المنطق الضبطي أيضًا في الإطار القانوني المنظّم للتعليم العالي، خاصة مع صدور القانون 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي سنة 2000، الذي أعاد هيكلة الحكامة الجامعية ومنح الإدارة صلاحيات واسعة في تدبير الفضاء الجامعي. كما ساهم الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) في إعادة تعريف وظيفة الجامعة وفق منطق النجاعة والملاءمة مع سوق الشغل، وهو ما أثّر على طبيعة الفعل الطلابي، إذ انتقل الصراع من مواجهة سياسية مباشرة إلى مقاومة سياسات إصلاحية تُقدَّم بوصفها تقنية ومحايدة.
ثالثًا: السياسات النيوليبرالية وتحييد الجامعة
عرف التعليم العالي بالمغرب تحوّلات بنيوية في إطار تبنّي سياسات نيوليبرالية، أعادت تعريف الجامعة وفق منطق السوق، النجاعة، والتنافسية. وفي هذا السياق، يتم تقديم هذه التحولات باعتبارها إصلاحات تقنية ضرورية، في حين أنها تخفي اختيارات سياسية عميقة تؤثّر في طبيعة التعليم ووظيفته الاجتماعية.
وتواجه الحركة الطلابية هذه السياسات بوصفها آليات لإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية، وتحويل الحق في التعليم إلى امتياز مرتبط بالقدرة الاقتصادية. ومن هنا، يتحوّل الصراع داخل الجامعة إلى صراع سياسي حول معنى التعليم، وحدود تدخل الدولة، ودور السوق في المجال العمومي.
وقد تجلّت هذه التحولات بشكل عملي في اعتماد نظام الإجازة-الماستر-الدكتوراه (LMD)، وفي توسيع مسالك التكوين المؤدى عنها، إضافة إلى تقليص المنح وتراجع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية مقارنة بتزايد أعداد الطلبة. وقد شكّلت هذه الإجراءات موضوع احتجاجات طلابية متكررة في عدد من المواقع الجامعية، حيث اعتُبرت مؤشرات على انسحاب الدولة التدريجي من مسؤوليتها الاجتماعية في ضمان الحق في التعليم.
رابعًا: إعادة تسييس القضايا التعليمية
تُعدّ قدرة الحركة الطلابية على تسييس القضايا التعليمية من أبرز خصائصها السياسية. فالمنح، السكن الجامعي، وشروط التمدرس، لا تُطرح كإشكالات تقنية، بل كقضايا سياسية مرتبطة بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
ويُبرز هذا التسييس وعيًا طلابيًا بأن السياسات العمومية ليست محايدة، بل تعكس اختيارات اجتماعية واقتصادية تخدم فئات معيّنة على حساب أخرى. ومن ثمّ، تتحوّل الحركة الطلابية إلى فاعل يفرض قضايا التعليم ضمن أجندة الصراع السياسي.
وقد برز هذا التسييس بوضوح في الاحتجاجات المتكررة المرتبطة بتأخر صرف المنح الجامعية، أو تقليص عدد الأسرّة في الأحياء الجامعية، خاصة في مدن ذات كثافة طلابية مثل فاس، مراكش، وأكادير. ففي هذه السياقات، لم يُختزل النقاش في مطلب إداري، بل رُبط بسؤال العدالة المجالية والاجتماعية، وبحق أبناء الفئات الهشة في الولوج إلى التعليم العالي بشروط تحفظ كرامتهم.
خامسًا: حدود الفعل الطلابي واستمرارية الصراع
رغم الطابع المعارض للحركة الطلابية، فإن قدرتها على إحداث تحوّل سياسي ملموس تظل محدودة بفعل اختلال ميزان القوى بينها وبين الدولة. غير أن هذا القيد البنيوي لا يُلغي دورها، بل يعيد تعريفه، حيث ينتقل الصراع من مستوى التغيير المباشر إلى مستوى إنتاج الخطاب والمعنى.
وتُظهر استمرارية الحركة الطلابية، حتى في لحظات التراجع، أن الجامعة لا يمكن تحييدها بالكامل، وأن الفعل الطلابي يظل مؤشرًا على أزمة أعمق في العلاقة بين الدولة والشباب.
كما أن جزءًا من الفاعلين الطلابيين انتقل لاحقًا إلى العمل الحزبي أو الجمعوي، ما جعل الحركة الطلابية تُنتج نخبًا سياسية اندمجت داخل النسق الذي كانت تعارضه سابقًا. ويعكس هذا المسار مفارقة بنيوية، حيث تتحوّل الجامعة إلى فضاء لإنتاج معارضة رمزية، لكنها في الآن ذاته تشكّل قناة لإعادة إدماج جزء من هذه النخب داخل النظام السياسي، وهو ما يحدّ من استمرارية الراديكالية الطلابية.
سادسًا: الجذور التاريخية للحركة الطلابية بوصفها فاعلًا سياسيًا
لا يمكن فهم الحركة الطلابية المغربية خارج سياق تشكّلها التاريخي، الذي ارتبط منذ البداية ببناء الدولة الوطنية وبالصراع حول طبيعة النظام السياسي. فقد ظهرت الحركة الطلابية في لحظة اتّسمت بتداخل النضال من أجل الاستقلال مع المطالب الاجتماعية والسياسية، ما جعلها تحمل منذ نشأتها طابعًا سياسيًا واضحًا.
وقد مثّل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، منذ تأسيسه، أحد الأطر القليلة التي جمعت بين البعد النقابي والبعد السياسي، حيث لم يقتصر خطابه على تحسين شروط التمدرس، بل انخرط في نقاشات حول الديمقراطية، السيادة، والحريات العامة. ويكشف هذا المعطى أن تسييسالفعل الطلابي لم يكن طارئًا، بل مكوّنًا بنيويًا في تشكّله.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن اعتبار الحركة الطلابية امتدادًا لما يسميه أنطونيو غرامشي بـ المثقفين العضويين، حيث اضطلع الطلبة بدور وسطاء بين المعرفة الأكاديمية والواقع الاجتماعي، وساهموا في إنتاج خطاب نقدي يتجاوز أسوار الجامعة.
وقد شهدت الحركة الطلابية المغربية منذ ستينيات القرن الماضي محطات مفصلية كشفت طابعها السياسي الصريح. ففي سنة 1965، تزامن الحراك الطلابي مع الانتفاضات الاجتماعية التي عرفتها الدار البيضاء، ما جعل الجامعة فضاءً متداخلًا مع الشارع السياسي. كما عرفت بداية السبعينيات تصاعدًا ملحوظًا في المدّ اليساري داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، خاصة مع بروز التيارات الماركسية اللينينية، وهو ما أدّى إلى مواجهة مباشرة مع الدولة انتهت بحظر أوطم سنة 1973. وقد شكّل هذا القرار لحظة حاسمة في علاقة الدولة بالحركة الطلابية، حيث انتقل الصراع من مستوى التدبير النقابي إلى مستوى أمني صريح.
سابعًا: الحركة الطلابية والمجال العمومي المُقيَّد
في سياق يتّسم بضيق المجال العمومي، تكتسب الجامعة وظيفة سياسية بديلة، حيث تتحوّل إلى أحد الفضاءات القليلة التي تسمح بإنتاج النقاش العمومي، ولو بشكل محدود. وبهذا المعنى، تصبح الحركة الطلابية فاعلًا يسهم في إعادة تشكيل المجال العمومي من داخل مؤسسة تخضع أصلًا لمنطق الضبط.
ويمكن هنا الاستفادة من تحليلات يورغن هابرماس حول المجال العمومي، مع إدراك خصوصية السياق المغربي، حيث لا يتّخذ المجال العمومي طابعًا ليبراليًا مفتوحًا، بل يظل مجالًا مُراقَبًا ومُجزّأً. وفي هذا الإطار، تعمل الحركة الطلابية على توسيع هامش النقاش، ولو مؤقتًا، من خلال الاحتجاج، الندوات، والبيانات.
غير أن هذا الدور يظل هشًا، إذ سرعان ما تواجه هذه المحاولات بآليات الاحتواء أو التفكيك، ما يحدّ من استمراريتها ويكشف حدود الفعل الطلابي داخل مجال عمومي مُقنَّن.
وقد شهدت بعض الجامعات حالات منع أو تضييق على أنشطة طلابية ذات طابع سياسي، سواء عبر رفض الترخيص لندوات فكرية، أو فرض قيود إدارية على استعمال القاعات والمدرجات. ويكشف هذا المعطى أن الهامش المتاح للنقاش العمومي داخل الجامعة يظل مشروطًا، وأن توسيعه يخضع دومًا لمنطق التوازن بين التعبير والضبط.
ثامنًا: التنظيم، الأيديولوجيا، وإشكالية الوحدة
من بين الإشكاليات المركزية التي تواجه الحركة الطلابية مسألة التنظيم، حيث عرفت هذه الحركة، عبر تاريخها، توترات أيديولوجية وتنظيمية انعكست على قدرتها على بناء جبهة طلابية موحّدة. وقد أدّى هذا التشتت، في كثير من الأحيان، إلى إضعاف قدرتها على مواجهة الدولة كفاعل موحّد.
ومن منظور العلوم السياسية، لا يمكن اختزال هذه الانقسامات في بعدها الإيديولوجي فقط، بل ينبغي ربطها بالسياق السياسي العام، وباستراتيجيات الدولة في إدارة التعددية داخل الجامعة. إذ تُظهر بعض التحليلات أن السماح بتعدّد التنظيمات الطلابية لا يعني بالضرورة توسيع هامش الديمقراطية، بل قد يشكّل أداة لإعادة توزيع الصراع داخل الفضاء الجامعي، بما يحدّ من قدرته على التحوّل إلى ضغط سياسي فعّال.
عرفت الجامعة المغربية، خصوصًا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، استقطابًا حادًا بين التيارات اليسارية والإسلامية، بلغ في بعض الحالات مستوى العنف الرمزي والمادي داخل الحرم الجامعي. وقد عكس هذا الاستقطاب تحوّلات أوسع في الحقل السياسي الوطني، حيث انتقل جزء من الصراع الإيديولوجي إلى الجامعة باعتبارها مجالًا أقل ضبطًا نسبيًا. كما شهدت بعض المواقع الجامعية بروز التيار الأمازيغي كفاعل جديد منذ مطلع الألفية الثالثة، ما أضاف بُعدًا هوياتيًا إلى الصراع الطلابي.
تاسعًا: القمع، الذاكرة، واستمرارية الفعل الطلابي
رغم اعتماد الدولة على آليات الضبط الناعم، فإن القمع المباشر ظل حاضرًا في لحظات معيّنة من تاريخ الحركة الطلابية، خاصة عندما تجاوز الفعل الطلابي حدود المطالب التعليمية إلى مساءلة السلطة السياسية بشكل مباشر. وقدترك هذا القمع أثرًا عميقًا في الذاكرة الجماعية للطلبة، وأسهم في تشكيل وعي سياسي يتجاوز اللحظة الآنية.
وتكتسب الذاكرة الطلابية هنا أهمية سياسية، إذ تعمل كآلية لإعادة إنتاج الهوية النضالية للحركة، حتى في فترات الانحسار. ويمكن فهم هذه الدينامية في ضوء تحليلات موريس هالبفاكس حول الذاكرة الجماعية، حيث تُشكّل التجارب القمعية عنصرًا مركزيًا في بناء الوعي الجمعي.
شكّلت أحداث الاعتقالات الواسعة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وما ارتبط بها من محاكمات سياسية في صفوف الطلبة، لحظة مفصلية في تشكيل الوعي الطلابي. كما ظلّت بعض المواقع الجامعية مرتبطة رمزيًا بأحداث عنف أو مواجهات، ما جعل الذاكرة النضالية تُعاد إنتاجها عبر الشعارات والاحتفاء بذكريات معينة داخل الحرم الجامعي.
عاشرًا: الحركة الطلابية وتحولات الفعل الاحتجاجي
عرف الفعل الطلابي، شأنه شأن باقي أشكال الاحتجاج الاجتماعي، تحوّلات مرتبطة بتغيّر السياق السياسي والتكنولوجي. فقد تراجعت بعض أشكال التعبئة التقليدية، مقابل بروز أنماط جديدة من الفعل، تجمع بين الاحتجاج الميداني والعمل الرمزي والخطابي.
غير أن هذه التحولات لا تعني تراجع البعد السياسي للحركة الطلابية، بل تعكس قدرتها على التكيّف مع شروط جديدة للفعل السياسي، حيث يصبح الخطاب، الصورة، والرمز أدوات مركزية في الصراع مع السلطة.
كما برز خلال العقد الأخير شكل جديد من التعبئة الطلابية يرتبط باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتنسيق ونشر الخطاب الاحتجاجي، خاصة في القضايا المرتبطة بالمنح الجامعية، مباريات ولوج سلك الماستر، أو شروط اجتياز الامتحانات. ويكشف هذا التحول عن انتقال جزء من الصراع من الفضاء الفيزيائي للجامعة إلى الفضاء الرقمي، دون أن يفقد طابعه السياسي.
حادي عشر: الحركة الطلابية بوصفها مؤشرًا على أزمة النظام السياسي
لا يمكن قراءة الحركة الطلابية بمعزل عن السياق السياسي العام، إذ تشكّل في كثير من الأحيان مؤشرًا على اختلالات أعمق في النظام السياسي، خاصة في علاقته بالشباب والفئات المتعلّمة. فاستمرار الفعل الطلابي، رغم كل محاولات الاحتواء، يعكس عجز الدولة عن تقديم أفق سياسي واجتماعي مقنع لهذه الفئة.
ومن هذا المنظور، تصبح الحركة الطلابية مرآة لأزمة التمثيل السياسي، وأحد التعبيرات عن التناقض بين الخطاب الرسمي حول الإصلاح، والواقع الاجتماعي الذي يعيشه الطلبة داخل الجامعة وخارجها.
ويتغذّى هذا البعد الاحتجاجي أيضًا من تفاقم بطالة حاملي الشهادات، حيث تتحوّل الجامعة، بدل أن تكون قناة للترقي الاجتماعي، إلى فضاء لإنتاج انتظار اجتماعي طويل الأمد. وقد ساهمت تنسيقيات المعطلين حاملي الشهادات في إبراز الترابط بين الأزمة الجامعية وأزمة سوق الشغل، ما يعمّق الطابع البنيوي للصراع
يؤكّد هذا المقال أن الحركة الطلابية المغربية ليست ظاهرة هامشية أو عابرة، بل فاعلًا سياسيًا مُعارِضًا يحمل دلالات عميقة لفهم طبيعة السلطة، وحدود الإصلاح، وأشكال المقاومة الاجتماعية. فالجامعة، رغم كل محاولات تحييدها، تظل فضاءً لإنتاج الوعي والصراع السياسي، والحركة الطلابية أحد تجليات هذا الصراع.
وعليه، فإن تحليل الحركة الطلابية لا يكتفي بإضاءة جانب من الحياة الجامعية، بل يفتح أفقًا أوسع لفهم علاقة الدولة بالمجتمع، وبالأخص بالشباب المتعلّم، في سياق يتّسم بتوتر دائم بين منطق الضبط ومنطق الاحتجاج
عصام الحسيني