
انطلق مشهد جديد في بلاد العم سام، ونستعمل كلمة “جديد” بتحفظ، حيث جسد بطولته ممثل أجاد الظهور الإعلامي والدعايّة؛ إنه الرئيس ترامب “ميكيافيلي عصره” الذي حمل شعار: “أمريكا أولاً” وجعله مطيةً من أجل تحقيق غاياته دون تمعن في الوسائل المستخدمة، ليجر معه البلاد إلى نفق مظلم، نفق عنوانه: “الترامبية.. الاستبداد الجديد”.
ولا شك أن القضية الأبرز التي أكدت قولنا في هذا السياق، هي قضية اعتقال الطالب الفلسطيني محمود خليل، القائل في رسالة نُشرت له الأسبوع الماضي: “اسمي محمود خليل وأنا سجين سياسي”، وأضاف في الرسالة: “اعتقالي نتيجة مباشرة لممارستي حقي في حرية التعبير؛ إذ دافعت عن (قضية) ’فلسطين حرة’ وإنهاء الإبادة الجماعية في غزة، التي استؤنفت بكامل قوتها ليلة الإثنين”، وقد كان خليل يستعد لحفل التخرج بعد إكمال دراسته للشؤون الدولية بجامعة كولومبيا في ديسمبر الماضي، كما أنه حاصل على إقامة دائمة في الولايات المتحدة، ومتزوج من مواطنة أمريكية، وينتظر مولوداً الشهر المقبل، ويعد خليل من أبرز وجوه الحراك الطلابي الأمريكي الداعم لفلسطين والمندد بالحرب في غزة، وقد وصفت الكاتبة الأميركية ميشيل غولدبرغ قضية اعتقاله في مقال لها بصحيفة نيويورك تايمز، بأنها: “أحد أكبر التهديدات، إن لم يكن أكبرها، لحريات التعديل الأول (لا يصدر الكونغرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته، أو يحد من حرية التعبير أو الصحافة، أو من حق الناس في الاجتماع سلمياً، ومطالبة الحكومة بإنصافهم من الإجحاف) خلال خمسين عاماً”.
ها هنا، لم يتطلب تجاوز القانون الأمريكي انقلابا عسكرياً، بل يكفي أن تعلن دعمك لفلسطين واستنكارك للكيان الصهيوني، هذا ما آلت إليه السياسة الأمريكية التي ترفع شعارات من مثيل: “الحلم الأمريكي”، “سيادة القانون”، “تحقيق الازدهار للجميع”.. والذي ما فتئت تستعملها سلاحاً في انتهاك سيادة الدول وتجاوز إراداتها، معلنة نيتها الحسنة، بينما هي في الأصل نيات لتحقيق مكاسب استعمارية، شهد التاريخ مخلفاتها الدموية، والمستمرة حتى اللحظة.
بيد أن السياسة الخارجية لأمريكا لا تعني أن مؤسساتها الداخلية دون مستوى التي في بلداننا العربية؛ إذ تمتلك أمريكا مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية قوية، وما فتئ أهل القانون في أمريكا من التنبيه على أهمية سيادة القانون واحترام الدستور الأمريكي؛ حيث قال القاضي الأمريكي هوغو بلاك (1886-1971) (منشور بمجلة الولايات المتحدة الأمريكية 194): “يجب أن نمنح حرية التعبير للجميع، وإلا فلن نمنحها -في نهاية المطاف- إلا للمتخاذلين والجبناء، ولا يسعني إلا أن أكرر إيماني بأن الحق في التعبير عن الرأي في الشؤون العامة يجب أن يكون حرًا تمامًا، وإلا سيضيع في النهاية”. وها هي ذي كلماته تتحقق في نهاية المطاف، حيث صار التعبير من حق المتخاذلين والجبناء الداعمين للمجازر وسياسة الاحتلال الصهيوني من جهة، ومن جهة أخرى يُقمع ويعتقل كل من يعبر خارج التيار، ويوصف “بمعاداة السامية”.
تأكيدا لما سبق، قال السيناتور الأمريكي كريس ميرفي: “إذا كان واقعنا الجديد هو أن بإمكان الرئيس إخفاء متظاهر معارض دون توجيه أي تهمة إليه، فإننا لسنا أمريكا بعد الآن، اليوم محمود خليل، وغداً أنا أو أنت”، والحال أن أهل مكة أدرى بشعابها، فهل نكذب السيناتور ونصدق فتى “هوليود” ! وهو الذي يمسي على رأي ويصبح على رأي آخر، وحتى لا نحمل ترامب أكثر مما يتحمل، لا بد من الإشارة إلى أن المنظومة الأمريكية بأكملها ما هي إلا أداة لخدمة الفكر الصهيوني والمسيحية الصهيونية ذات المرجعية الدينية، وأن الصهاينة هم أصحاب النفوذ الأكبر في كافة مجالات الحياة الأمريكية، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية..، ولعل أبرز دليل على ذلك، هو اعتماد نفس السياسة كلما ذهب رئيس أو جاء رئيس غيره إلا ورفع شعار: “إسرائيل فوق كل قانون”، واستخدم “الفيتو” في وجه كل من يقول غير ذلك.
ختاماً، لا يسعنا إلا أن نشيد بطلبة أمريكا وكل طلبة العالم الذين وقفوا -جنبا إلى جنب- مع المستضعفين في غزة وفلسطين، ونؤكد على أن القضية الفلسطينية هي الخيط الفاصل بين الحق والباطل، وهي الميزان الذي نعرف عن طريقه الصادق من الكاذب، والخائن من الأمين، وستظل دوماً قضيتنا الأولى والمصيرية في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.