الرئيسيةرأي حر

الحب من مستنقع الرذيلة إلى مرتقى الفضيلة

Capture
ياسر أبوعمار

 تتألف كلمة حب من حرفين فقط،إلا أنها تعني في الإسلام شيئا عظيما،فهي أصل من أصول الدين،و حقيقة من حقائق الإيمان. فهذه الكلمة للأسف مسخت عند أهل الأهواء فاعتبروها ميل الذكر للأنثى فقط،أو حصروها في الجانب الحسي،بينما هي في الأصل شيء أعظم و أزكى من ذلك، فبذكرها يلهج العابدون،و يوصي بها الصالحون،و يسعى إلى ترسيخها المتقون.
فالحب من أساسيات الدين الإسلامي،و قد كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم محبا لأهله و أزواجه،و أصحابه و كل الناس،و كانت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها أحب نسائه إليه.

أنواع الحُب:
1-حب الله و رسوله:
تعتبر محبة الله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم أعلى درجات الحب و أكثرها أجرا، و أوجبها على المسلم، فالطريق إلى الله عز و جل تبدأ من حب الله ورسوله، و تنتهي بحب الله ورسوله، فحب الله و رسوله حلقة واحدة، لا يمكن الفصل بينهما، و لا يمكن أن تتحقق واحدة دون الأخرى، و هي موجبة لحب الله لعبده، و حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخيه والشوق إليه.

قال الله تعالى: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ” (آل عمران 31-32).

2-حب المؤمنين لبعضهم :
لقد حرص الإسلام على تنمية الحب  بين المؤمنين، لدرجة أنه حذر من كل ما يتسبب في إفساد هذا  الحب مثل النميمة،وغيرها من الأمراض التي تبني العداوة بين المؤمنين،و أوجب الصلح بينهم إذا نزغ الشيطان بينهم.
إننا في زماننا الحالي نحتاج إلى من يحيي معاني الحب في الله بين المؤمنين من جديد،كما كان الصحابة رضوان الله عليهم فيما بينهم، فعن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” ما تحابا إثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه “. فالحب في الله ليس رابطة تجمع المؤمنين لمصالح مادية، و إنما هي رابطة إيمانية،تكون لله، لا لشيء آخر، فما كان لله دام و اتصل و ما كان لغيره انقطع و انفصل ومن ذلك حديث السبعة الذين يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله ” رجلان تحابا فى الله اجتمع عليه و تفرقا عليه ” حديث رواه البخاري ومسلم ” .

3-حب في الحياة الزوجية:
رغم بساطة حياة النبي صلى الله عليه وسلم و انشغاله الشديد بأمور الدعوة الإسلامية ، إلا أن حياته مع زوجاته أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن كانت تتسم  بالحب، و توجد مواقف عديدة تبين هذا الود منها:

  إظهار الحب لزوجاته صلى الله عليه و سلم:
من أشهر القصص حديث أم زرع الطويل، وفي نهايته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “كنْتُ لكِ كأَبِي زرعٍ لأمِّ زرعٍ”[رواه البخاري].

  اللعب مع أهله :
روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ في سفرٍ وهي جارية، قالت: لم أَحْمِلِ اللَّحمَ، ولم أَبْدُنْ، فقال لأصحابه: ((تقدَّموا))، فتقدَّموا، ثم قال: ((تعالَيْ أُسابقك))، فسابقتُه، فسبقتُه على رجلي، فلما كان بعدُ – وفي رواية: فسكت عني حتى إذا حملتُ اللحمَ، وبَدُنْتُ، ونسيتُ – خرجتُ معه في سفرٍ، فقال لأصحابِه: ((تقدَّموا))، فتقدَّموا، ثم قال: ((تَعالَيْ أسابقك))، ونسيتُ الذي كان، وقد حملتُ اللحمَ، فقلتُ: كيف أُسابقُك يا رسولَ الله وأنا على هذا الحالِ؟ فقال: ((لَتفْعَلِنَّ))، فسابقتُه، فسبقَني، فجعل يضحكُ، وقال: ((هذه بتلكَ السَّبقة))[ صحيح:السلسلة الصحيحة254/1 ].

  التعبير عن حبه لأزواجه:
من ذلك ما روي عن عمرو بن العاص أنه أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: أيُّ الناسِ أحَبُّ إليك؟ قال – أي: النبي -: ((عائشة))، قلتُ: مِنَ الرجالِ؟ قال: ((أبوها))[رواه البخاري ]
-حب الوالدين و الإحسان إليهما:
نظرا لأهمية  حب الوالدين ، و قيمته في سعادة المجتمع ، اعتبر الاسلام حبهما قيمة عليا في رسالته ، و هدفا ساميا من أهدافه، فالأب و الأم هم أساس الأسرة .
لقد بذل الوالدان كل ما أمكنهما على المستويين المادي والمعنوي لرعاية أبنائهما وتربيتهم، وتحملا في سبيل ذلك أشد المتاعب و الصعاب ، حتى أن الله تعالى قرن طاعتهما و الإحسان إليهما بعبادته وتوحيده بشكل مباشر فقال: “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا” وقال تعالى : “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا”.

  الحب بين الجنسين:
إن الحب من المشاعر القلبية التي  لا سيطرة للإنسان عليها، و القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
وقد ضرب الله مثالاً في قصة إعجاب ابنة شعيب بموسى عليه السلام على الحب كمشاعر تلامس القلوب، فكانت نتيجته تعريضها بشمائله و عرض والدها الزواج على موسى عليه السلام؛ فأنفق من عمره الشريف عشر سنين في سبيل حبه لها.
فالحب بين الجنسين لابد أن يترجم بالزواج وفق ضوابط الشريعة الإسلامية،و قد جاء تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المفهوم وذلك بقوله: “لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح”[رواه ابن ماجة]
و من قصص الحب التي حدثت في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أنه أُتيَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بغلام من العرب وجد في دار قوم بليل فقال له: ما قصتك ؟! فقال: لست بسارق، ولكني أصدقك:

تعلقت في دار الرباحي خَــودة     يدل لها من حسنها الشمس والقمر
لها من نبات الروح حسن ومنصب    إذا افتخرت بالحسن صدقها الفخر
فلما طرقت الدار من حب مهـجة    أتيت وفيها من توقــدها جمـر
تبادر أهـل الـدار لي ثم صَيَّـحوا    هو اللص محتوم له القتـل والأسر

فلما سمع علي شعره رقَّ له، وقال للمهلب بن رباح: اسمح له بها نعوضك منها. فقال يا أمير المؤمنين سله من هو لنعرف نسبه؟
فقال: النهاس بن عيينة العجلي. فقال: خذها فهي لك.
و من غرائب القصص ما ذكر أن المهدي خرج إلى الحج حتى إذا كان في السفر يتغدى فأتى بدوي فناداه: يا أمير المؤمنين،إني عاشق! ورفع صوته.
فقال للحاجب: ويحك ما هذا؟!
قال: إنسان يصيح إني عاشق!
قال: أدخلوه. فأدخلوه عليه، فقال: من عشيقتك؟! قال: ابنة عمي. قال: أولها أب؟ قال: نعم، قال: فما له لا يزوجك إياها؟! قال:ها هنا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ما هو؟ قال: إني هجين. قال له المهدي: فما يكون؟! قال: إنه عندنا عيب.

فأرسل المهدي في طلب أبيها فأُتي به، فقال: هذا ابن أخيك؟ قال: نعم.

قال: فلم لا تزوجه كريمتك؟! فقال له مثل مقالة ابن أخيه. وكان من ولد العباس وعنده جماعة.

فقال: هؤلاء كلهم بنو العباس وهم هجن ما الذي يضرهم من ذلك؟
قال: هو عندنا عيب.
قال: زوجه إياها على عشرين ألف درهم،عشرة آلاف للعيب، وعشرة آلاف مهرها.
قال: نعم.

فحمد الله وأثنى عليه وزوجه إياها. فأتى ببدرتين فدفعهما إليه،فأنشأ الشاب يقول:

ابتعت ظبيـة بالغــلاء و إنما    يعطي الغـلاء بمثلها أمثـالي
وتركت أسواق الصباح لأهلها    إن الصباح وإن رخصن غوالي

إن الحب من المعاني العظيمة التي يسعد الإنسان بها، وهي من الصفات التي لا تنفك عن ابن آدم، فكل آدمي لابد أن تجري هذه المعاني عليه؛ الحب، والبغض، والرضا، والكره، والفرح، والشدة، والحزن…
و الحب يسمو بالنفس و يحلق بها في فضاء من السعادة و الجمال، و يضفي على حياتنا بهجة و سرورا ، و يكسو الروح بهاء وحبورا.

بقلم الطالب:ياسر أبوعمار

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق