رأي حر

الإعلام في مواكبة الثورة

files
عبد المولى عمراني

لاشك أن الإعلام لعب الدور الأساسي في المشهد العربي الراهن، سواء أكان فضائيات أم وسائط تواصل اجتماعي، متجاوزا الكثير من المعيقات المادية منها والمعنوية، فهي قد حررت العقل العربي من القبول بالواقعة من جانب واحد وسط خيارات عديدة يستطيع من خلالها الفرز بين ما هو حقيق وما يشوبه الحيف والتزوير، كما ساهمت في مضاعفة الوعي، وتطوير المفاهيم، وحفزت وحركت الشارع وواكبته في طريقه لنيل الحرية وعاشت معه أحلك اللحظات، ولم تفارقه لحظة النصر.

لكن الإعلام العربي في مواكبته للثورات العربية لا يخرج عن أحد نوعين أو فريقين، إما إعلام منافق يطبل للطغاة ويسبح بحمدهم وينشر أكاذيبهم، ويواجه خصومهم وهو في معظمه إعلام حكومي تعود على هذه الممارسة، أو إعلام خاص ترتبط مصالحه برجال الحكم وسدنته. وإما إعلام شعبوي يقف إلى جانب الثوار ويساندهم، ويغطي فعالياتهم، ويكشف زيف الدعاية الحكومية ويفند أكاذيبها، ويوجه مسار الثورة ويحدد أهدافها، وهو في غالبيته من وسائل الإعلام الجديدة من هواتف وانترنت وشبكات تواصل اجتماعي، أو وسائل إعلام تقليدية تبنت هذا الدور قبل الثورات العربية أو أثناءها.
الإعلام المنافق
لقد قام هذا الإعلام بدور المدافع عن الحكومات بكل السبل والوسائل، بل إن استخدامه للأسلوب الدعائي الفج أظهره بمظهر الساذج الذي تحنط خطابه وعفى على مفرداته الزمن، فكان غائبا – عن قصد – مكانيا عن ساحة الفعل التي يرسمها الثوار بدمائهم وحناجرهم، وغاب زمانيا في عيشه بعيدا عن نقل الحدث الآني الأهم في البلد.
لكن الدور السلبي الأهم الذي مارسته هذه الوسائل في مواجهة الثورات، هو استخدام الدعاية المضادة للخطاب الذي تنتجه الثورة، فقد نعتت المتظاهرين بكل الصفات السلبية التي تسلخهم عن القيم والأخلاق والوطن، فقالت تارة إنهم متطرفون يهددون أمن وسلامة المجتمع، وتارة إنهم عملاء يعملون لصالح أجندة خارجية، وفي أحيان أخرى إنهم أناس مغرر بهم ليسوا سوى ألعوبة بيد جماعات المعارضة… وهلم جرا.
بل إن الدور الأخطر لهذه الوسائل هو العمل على بث الخوف والذعر في أوساط المواطنين، لا بل إثارة النعرات والتحريض على الطائفية بل والحرب الأهلية، والتِشجيع على حمل السلاح الدولة (كما هو حال خطاب الإعلام السوري).. إضافة إلى تبرير الجرائم الدموية التي يرتكبها النظام بحق الثوار وثورتهم.
إعلام الشعب
أما هذا النوع من الإعلام فقام بدور المساهم في تفجير الشرارة الأولى للثورات (شبكات التواصل الاجتماعي)، وتحفيز الجماهير وتحريكها للمشاركة في هذه الثورات، وغطى أحداثها بدقة بالغة ساهمت بشكل كبير في إعطاء تلك الثورات الزخم الذي ساعدها ويساعدها في تحقيق أهدفها، وكشف زيف ادعاءات وأكاذيب الأنظمة، وساهم على نحو ما في توجيه مسار الثورات وصياغة خطابها بشكل يبين للعالم نبل هذه الثورات ومدى حضاريتها.
هذا الدور قامت به وسائل الإعلام الجديد على أكمل وجه، مستفيدة من عدد الإمكانيات والميزات التي لا تتوفر لغيرها من الوسائل، منها:
– استطاع أن يحقق للثورة تنظيما للأفراد الذين لم يكن بمقدورهم أن يحققوه، إنجاز من دون العمل في شكل جماعات منظمة يجمعها هدف واحد، صحيح أن هذا التنظيم لم يكن مضبوطا بشكل كبير إلا أنه وفر الحد الأدنى من التنظيم الذي يكفل تحقيق الإنجاز.
– توفير كم كبير من المعلومات التي تساهم بشكل كبير في تشكيل الآراء والتفاعل بين أفراد الجمهور.
– توفير إمكانيات التفاعل بين جماهير الثورة وهو ما ساهم في تكوين الآراء التي تساهم في توجيه الثورة باتجاه غاياتها النهائية.
– الانتشار الواسع لتلك الوسائل بما وفر لها ميزتين، القدرة على تغطية كل التفاصيل بالقدر الذي لا تستطيع أي وسيلة تقليدية الحصول عليه (وهو ما جعلها مصدرا مهما لتلك الوسائل وتحديدا الفضائيات)، كما أن هذا الانتشار فتح لها الوصول إلى القدر الأكبر من الجمهور.
– كلفتها القليلة وفرت لها أيضا فرصة للمشاركة من جانب الفئات المهمشة والفقيرة وهي الطبقة الأكبر في المجتمعات العربية.
– إن إمكانيات تكنولوجيا وسائل الاتصال الجديدة في التغلب على الرقابة أتاح مستوى من الحرية للوسائل الإعلامية في نشر مضامينها لم تصل إليه من قبل. وهو الأمر الذي ساهم في تعزيز قدرة الثورة على تغطية مجريات الأحداث بشكل كبير.
على الجانب الآخر عانت وسائل الاتصال الجديدة من عدد من العقبات والمعيقات، من بينها صعوبات العمل الميداني التي قد يوصل صاحبه إلى الموت، بالإضافة إلى صعوبات تقنية تمثلت في قدرة السلطات على منع الخدمة عن كل أبناء البلد، لكن بفضل القدرات الفائقة لهذه الوسائل وتزاوج ذلك مع عقول ذكية تم التغلب على هذا التحدي ولو جزئيا. أما التحدي الأبرز الذي واجهته هذه الوسائل فهو تحدي المصداقية، فهي لما بعد تحظى بهذا العنصر المهم في العمل الصحفي المحترف لاسيما إن كان الخبر منقولا بدون صوت أو صورة، لكن كان التغلب الجزئي على هذا التحدي من خلال التركيز على الصوت والصورة.
ختاما يمكن القول إن الإعلام الجديد وما يحتويه من شبكات اجتماعية سيصنع فارقاً كبيراً في صناعة الإعلام في المستقبل من خلال سرعة نشر الأخبار ومصداقيتها المدعمة بالصوت والصورة، وزيادة مستوى الوعي ورفع مستوى المعرفة؛ إلا أن دور الإعلام الفضائي هو الأكثر شمولية من الإعلام الاجتماعي الذي يمكن أن يطلَق عليه إعلام اللحظة الراهنة التي تنقل الصورة والصوت (الحدث) ويبقى دور الفضائيات عموماً أقوى في التأطير بسبب مصداقيتها وكونها جماهيرية تستعين بالخبراء.
كما يمكن الإشارة إلى أن الطرفين استفادا من بعضهما البعض، فالثورة استفادت من تطور وسائل الإعلام في توسيع رقعتها جغرافيّاً وعددياً، والإعلام اكتشف موضوعاً جديداً جديراً بالبحث والتناول الإعلامي. كذلك قضت الثورة – من ضمن ما قضت عليه – على جانب كبير من الإعلام الهابط، ظهر ذلك في برامج (التوك شو) وبرامج الترفيه المسفة والمسفهة لوعي وعقل المشاهد.
ومن المهم أخيرا ضرورة توجيه الإعلام نحو القضايا التي ترتقي بالأمة وتمضي بها نحو أهدافها، فكما لاحظنا فقد أصبح للإعلام اليوم دور أساسي في نهوض الأمم وتقدُّم الشعوب نحو تحقيق أهدافها، ووصل الأمر بالإعلام الحديث إلى مستوى أصبح هو الفاعل والمؤثر الأقوى في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية على وجه العموم.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق