الرئيسيةرأي حر

الحركة الطلابية بالمغرب بين تحديات المرحلة و رهانات المستقبل

بقلم الطالب الباحث: محسن الادريسي

عندما تُذكر الحركة الطلابية بالمغرب مباشرة يحضر اسم “أوطم” الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كنقابة طلابية تأسست منذ “الاستقلال” و تعاقبت عليها مراحل و فصول راكمت بشكل كبير ما هي عليه الان.. خصوصا و أن تاريخها كان سياسيا بامتياز، يصعب تجزيئه عن ما هو نقابي، و قد تأثر بتأثر و تغير الحركات السياسية الوطنية بقدر ما تأثر بتسلط النظام المغربي احتواءا و حظرا و قهرا.

على أي لن أجلس هنا لأسرد وقائع و أحداث و صراعات لا غرض لها سوى اجترار الماضي و إنما الأهم من ذلك تشخيص واقع الحركة الطلابية المغربية و “أوطم” كمنظمة غايتها توحيد صفوف الطلبة و ما تعانيه من تحديات راهنة لم تعرفها الأجيال السابقة، و ما تحتاجه من تظافر الجهود و ترسيخ الوعي و خوض التجارب الميدانية القادرة على جعلها منظمة طلابية رائدة تحمل حقا مسمى مبادئها الأربع، و على رأسها الجماهيرية، و منها سوف ننطلق و عليها سوف ندور.

لا قيمة للعمل النقابي عموما إلا بجماهيريته فبقدر الزخم الذي يدعم الإطار النقابي ويشعر بالانتماء إليه ويساهم مساهمة فعالة في إنجاح خطواته و محطاته و في اختيار ممثليه.. بقدر ذلك يكون زخم التأثير والتغيير، لذا كل ما يرى من أعمال و أنشطة دورية جديرة بالاهتمام من طرف مناضلي الاتحاد في مختلف الظروف لن يكون إلا وسيلة لتحقيق أو تثبيت هذه الغاية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

يرى الكاتب و الباحث المغربي مبارك الموساوي أن الحركة الطلابية ” تمثل حركة اجتماعية تحررية رافضة بطبيعتها؛ إنها حركة وليدة التناقضات التي يعيشها المجتمع، مما يخول لها، وبحكم التماسك والتكتل الممكن تحقيقه داخل الكيان الطلابي، وحدة الفعل وشمولية الموقف”. من هذا المنطلق يمكن القول أن مفهوم الحركة الطلابية يدور في فلك ” التحرك الجماعي الذي ينظمه الطلبة داخل الجامعات أو خارجها للتعبير عن وجهات نظرهم حول قضايا سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو غير ذلك”.

أية تحديات؟

ما عرفته الجامعة من انتكاسات متوالية غير بريئة على المستوى التعليمي تتجلى في رؤى و مخططات أبعد ما تكون عن الاستراتيجية و قوانين قائمة على غير أساس يسمح لها بان تترجم واقعا فعليا سوى ما تحمله من قرارات رجعية كالقوانين التي تسعى لتضرب عرض الحائط المكتسبات او بالأحرى الحقوق الأساسية للطلاب، و ربما اتسعت أقلام و سطور أخرى كثيرة للتفصيل في هذا، أضف إلى ذلك التغييرات المتخبطة للنظم البيداغوجية و غياب استقرارها و فعاليتها شكلا و لا مضمونا و التي جعلت من جعل الدورات و السنوات الدراسية أوقات متهافتة لاستيفاء المواد “كما” بلا “كيف” مع ضعف كبير على مستوى الجودة، و ما أدراك ما سؤال الجودة و قياسها!موضوع بذاته! كل هذا و غيره جعل من الزمن الطلابي أضيق ما يكون لتحقيق تكوين متوازن و إفساح الفرصة للطالب للتوسع علميا و معرفيا و الانفتاح سوسيو-اقتصاديا كما لتتبع ما يجري في الجامعة من تغييرات محلية أو وطنية.

إن أضفت هذا إلى كثرة المشوشات سواء المادية -التي تجعل فئة كبيرة من الطلاب يكتفون باجتياز الامتحانات و الاتجاه للعمل او عدم الاستقرار الرسمي بالمدن الجامعية- كما اللوجيستية منها -المتمثلة في ضعف تسهيل الوصول للموارد العلمية الدراسية كما توفير الفضاءات الجامعية المريحة..-، كل هذا يكون سببا في المزيد من عزل الطلاب زمانيا و مكانيا عن الساحة الجامعية و إذكاء روح الأنانية و الفردانية في المزاج الطلابي، هذا بالإضافة إلى سياقات عامة أبرزها غلبة التواصل الافتراضي مقارنة بالتواصل الميداني أضف إلى ذلك تأثيرات العولمة اللامتناهية التي لا تجد حدا و لا مظلة تحجبها.

كل ما تحدثت عنه موضوعي لم أتجدث عنه لأقول أنه ليس من خلل ذاتي، نعم ذاتيا ما الذي يجعل المهمة صعبة أمام الغيورين على الجامعة المغربية؟ أولم تنبعث أقوى النضالات الطلابية و الحركات التغييرية عموما من أشد الأوضاع سوءا؟ في الحقيقة كلما كان الوضع أسوء كلما كانت الفرص التاريخية لتغييرات جذرية أكثر إمكانية و كان التفكير في القضايا الشمولية ضروريا من أجل حل الأزمات من جذورها و هذا ما تشهد به كثير من التجارب العالمية في هذا السياق، و سأورد مجموعة من الأمثلة حولها في اخر المقال للاستأناس لمن له وقت لذلك. ملحق [1]

ما العمل إذن ؟ نبقى في دوامة الواقع و ما يكرسه؟ أم نكون ضحية تقليد تجارب ميتة انتهت صلاحيتها أو مسمومة لم تنبت في أرضنا؟

لا يمكن أن تكون أولى خطوات التغيير أولا غير مشروع وعي و توعية، و تواصل و مشاركة مع كل ذي رأي و انتقاد صادق و لو كان لاذعا، فالخطر أكبر الخطر شيوع اللامبالاة و اليأس و السلبية في التعامل مع القضايا الطلابية خصوصا ذات الأولوية منها، لا بد من الفئات التي تحمل فكرة أو مشروعا أو على الأقل استفهاما أو استنكارا للواقع الطلابي الجامعي أن تكون أول المساهمين في تأطير مشروع الوعي هذا، و الذي يحتاج في أولى قسماته توحيدا للمشترك من الآراء و التي أهمها أن الحركة الجماعية أقوى من حركة الفرد و أن العمل المنظم أفضل و أنجع من تخبط و تشتت، -و الذي كثيرا ما تدعمه أحيانا إدارات و عمادات  بأشكال متعددة بريئة في ظاهرها-، لا بد في بداية لكل حركة تغييرية بنائية من فئة تتحمل المسؤولية و تعلم الآخرين تحملها، تبادر بالفعل و ترغّب في المبادرة.

تكون كل فكرة للقلب الجذري للاوضاع حالمة و متسرعة إذ لا تغيير جذريا بلا قاعدة جماهيرية واعية و مسؤولة يقوم عليها، كما تكون كل فكرة خاملة يائسة من نجاعة العمل المتدرج الواضح الرفيق عقبة انتظارية سلبية للمضي قدما،

لا بد كذلك أن نعي أن كل فكرة إقصائية أي قائمة على إقصاء الآخر سواء لانتمائه العرقي أو الثقافي الايديولوجي او سياسي، كل إقصاء من هذا القبيل يكون في خدمة من غايته الإفساد لا الإصلاح، في خدمة من غايته إفراغ الجامعة من المحتوى و اللعب بمستقبل الوطن لصالح الفاسدين المتسلطين.

المؤكد كل التأكيد أن كل هذه الانتكاسات التي نمر منها تعليميا و حقوقيا في الساحة الجامعية هي في نفس الوقت إرهاصات لتجدد الدماء في الحركة الطلابية المغربية و الدخول في مرحلة جديدة من ظروفها الإيجابية أن المعلومات و الوقائع لم تعد تخفى على أحد، الأمر فقط يحتاج لإشاعة فكرة و رؤية معقولة متكاملة متزنة و محفزة للإرادات المخبوءة لتواجه بكل عزم التحديات الذاتية لبناء جسد طلابي متّحد و قوي، و الموضوعية للتغلب على مخططات تدجين و استغباء العقول كما قمع و سلب الحريات من أجل جعل الجامعة وسطا للحرية و تكافئ للفرص و تعليم ذو جودة و وسطا لإنماء الثقافة الجادة و الحوار الطلابي الرصين المستشرف لمستقبل الجامعة و الوطن، كما جعلها وسطا لتحرير الطاقات و المواهب المبدعة.

 

ملحق [1]

نشير بداية إلى حراك “مايو 1968” بفرنسا الذي استمر لحوالي سبعة اسابيع شملت مظاهرات وإضرابات  و اعتصامات في الجامعات و المصانع… كان هذا ضد الرأسمالية و النزعة الاستهلاكية و الامبريالية الامريكية و المؤسسات التقليدية، كما ضد البيروقراطية الحزبية الشيوعية كذلك، و اخذ الامر موجة تعاطف كبيرة من الاتحادات النقابية العمالية حتى وصلت لنسبة إضراب %22 من سكان فرنسا.. و تعتبر هذه الفترة نقطة تحول ثقافي و اجتماعي و اخلاقي في تاريخ البلد.

أحب أن اقارن وضعنا مع أوضاع فرنسا و تجاربها لأنني في العادة أجد مفارقات مثيرة للسخرية حيت اننا نرزح أول ما نكون تحت الامبريالية الفرنسية الحديثة و نعاني الويلات الاجتماعية من ذلك، كما نعاني من غزوها “الثقافي الاخلاقي” المشوه لهويتنا الثقافية الاخلاقية، فما اكثر المتشابهات! أفلا نستفيد من هته التجارب، أقول نستفيد لا أن نقلّد.

و من بين أمثلة الحراك الطلابي التي يمكن رصدها داخل العالم الرأسمالي، ثورة الطلبة بجامعة بيركلي في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1964 م، بسبب حظر التجمعات الطلابية في حرم الجامعة، واستطاعت الحصول من خلال ثورتها على مكاسب وعلى رأسها السماح بحرية النشاط السياسي.

تجدر الإشارة كذلك إلى اعتصامات طاولة الغداء التي غيرت التاريخ الأمريكي و التي بدأت بأربعة طلاب سود، قصدوا طاولة غداء كلية “وول وورث” في ولاية كارولينا الشمالية، ورفضوا المغادرة، كانت قوانين الفصل العنصري في هذه الفترة تمنع جلوس الطلاب السود على طاولات غداء، مشتركة مع البيض، بل وتمنعهم من الجلوس جوار بعضهم في الحافلات العامة، قوة الدفع التي بدأت مع طاولات غداء أسهمت بشكل كبير في الطريق إلى إقرار الحقوق المدنية التي أنهت الفصل العنصري في الأماكن العامة.

في سياق اخر بعد ثمانية أيام من انهيار سور برلين، بداية النهاية بالنسبة لألمانيا الشرقية وحكومتها الشيوعية، أطاح عدد من طلاب تشيكوسلوفاكيا بحكومتهم، بدأت الانتفاضة بآلاف الطلاب، وازدادت حتى وصلت إلى نصف مليون محتج في براغ، ظلوا مُصرين على السلمية بعناد كبير حتى بعدما هجمت قوات مكافحة الشغب عليهم، مانحين الثورة اسمها. وبعد 11 يومًا من بدء الاحتجاجات، تخلى الحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا عن القوة، وعبّد الطريق للكاتب المسرحي “فاتسلاف هافيل”  ليصبح رئيس الجمهورية في ديسمبر من العام نفسه.

 

دول العالم الثالث

حكم تجربة الحركة الطلابية داخل هذه البلدان، سياقات أهمها مقاومة الاستعمار والأنظمة القمعية المدعومة من النظام الرأسمالي، لذلك فتبلور الحراك الطلابي جاء ليجسد حركة الشعب الكلية في مواجهة العدو الخارجي أو الداخلي أو كليهما معا18، سيساهم هذا الوضع في تبني الحركات والتيارات الثورية بما فيها الطلبة، للأفكار والرؤى الماركسية اليسارية في النظرية والممارسة، إلا أن ذلك بدأ يتراجع في الربع الأول من القرن العشرين، بفعل بروز النزعات الوطنية والقومية، وفيما بعد بروز الحركات الإسلامية، والتي برزت في كل من سوريا ومصر وفلسطين وإيران وإندونيسيا وعدد آخر من دول العالم الثالث.

من بين الحركات الطلابية في العالم الثالث، نذكر الحركة الطلابية في “أنكولا”، والتي كان لها دور مهم في إنجاز المهام الديمقراطية، وحل المشاكل الاجتماعية ومحاربة السحر والشعوذة؛ الحركة الطلابية المصرية، والتي انتفضت إلى جانب الجماهير ضد الاحتلال البريطاني، وفي سنة 1946 بلغ النشاط الطلابي ذروته واندمج بنضال القوى العمالية تحت اسم ” لجنة الطلاب والعمال” لمواجهة الاستعمار والنضال ضد المستغلين المحليين.

وفي مطلع التسعينات واجه “السادات” الحركة الطلابية بالحديد والنار وحول الجامعات إلى ثكنات عسكرية حيث يوجد فيها الحرس الدائم والآمن والمخابرات، بالإضافة إلى دور الحركة الطلابية المحوري في “ثورة 25 يناير” التي أسقطت نظام “مبارك”؛

هناك أيضا الحركة الطلابية الإيرانية، التي مرت بمرحلتين: امتدت الأولى من تاريخ إنشاء جامعة طهران 1934 وحتى انتصار الثورة “الإسلامية” سنة 1979، وشهدت هذه المرحلة عداءا مستحكما بين الطلبة ونظام الشاه21، أما المرحلة الثانية والتي جاءت أعقاب الثورة “الإسلامية” التي قادها ” الخميني”، واتسمت بالتوافق ما بين الطلبة والثورة22،

وفي أندونيسيا فقد استطاعت الحركة الطلابية إحداث تغيير سياسي على مستوى رأس الهرم في السلطة الحاكمة، حيث استطاع الطلبة عبر المظاهرات والاحتجاجات ضد الرئيس “سوهارتو”، إجباره على التنحي ما لم يقم بإصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، وقد استطاع الطلبة في هذه المرحلة، استقطاب كافة الشرائح المجتمعية التي انحازت لصفوفهم، بما في ذلك قيادات الجيش، وفي 21/5/1998 اضطر “سوهارتو” لتقديم استقالت.

بداية من أواخر العشرينات بدأت الحركات الطلابية في الظهور بالمغرب، وتَمثل دورها أساسًا في النضال من أجل الاستقلال الوطني …

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق