أكاديرالرئيسيةرأي حر

“التعليم عن بعد”.. أو المدرسة كوسيلة لإعادة الإنتاج الاجتماعي

صدرت مذكرة وزارية يوم 13 مارس 2020 تعلن قرار توقيف الدراسة الحضورية بالأقسام و الفصول انطلاقا من يوم الإثنين 16 مارس جراء الخطوات الاحترازية الرامية إلى الحد من العدوى و وقف انتشار وباء كورونا. و أكدت المذكرة على أن “الدروس الحضورية ستعوض بدروس عن بعد تسمح للطلبة و التلاميذ و المتدربين بالمكوث في منازلهم و متابعة الدراسة عن بعد”.

 

إننا لسنا بصدد التعقيب على هذا القرار الوزاري، و لا بصدد كشف معايبه الجمة التي عانى و يعاني جراءها الطلبة و التلاميذ و المتدربون الذين ذكرتهم المذكرة، و أولياء أمورهم الذين لم تذكرهم، كان قرار أقل ما يقال عنه أنه قرار متسرع لا يواكب ظروف و حاجيات الأسرة المغربية، قرار يشي ببعد ساستنا كل البعد عن الشعب و ظروف عيشه، يشي بولعهم بالتجربة الفرنسية حد التقليد حتى في القرارات الكبرى دون تمحيص النظر في التفاصيل حيث يكمن الشيطان.. شيطان التهميش و الفقر و الاستبداد!

 

الآن بعد مرور شهر على انطلاق التجربة، و احتكاكها بواقع يفرض إعادة النظر من جديد في الشعارات التي يراد لها أن تكون شعارات للمدرسة العمومية، من قبيل: “مدرسة الجودة و الإنصاف و تكافؤ الفرص”؛ سنحاول -و هذا مرمى مقالتنا هذه-  عرض التصور البورديوزي (نسبة لبيير بورديو) عن المدرسة كوسيلة لإعادة الإنتاج الاجتماعي،  و ترسيخ للفوراق المجتمعية.

 

و يأتي استحضارنا لبورديو، عالم الاجتماع الفرنسي، لما قدمه من نقاشات و أفكار حول المدرسة، و لما كشف من خلفياتها غير المعلنة، إنها بالتعبير السوسيولوجي “ظواهر خفية”!

 

تعتبر المدرسة عند بورديو وسيلة للقهر الاجتماعي، و بشكل أكثر وضوحا: هي مؤسسة تكرس الفوارق الاجتماعية، و تعيد إنتاج نفس البنية المجتمعية بمضمونها الطبقي؛ طبقة مستغلة و أخرى مستغلة. فالتعريف المركزي عند بورديو للمدرسة هو أنها وسيلة لإعادة الإنتاج الاجتماعي، أي أنها جهاز يعمل على إبقاء الفقير فقيرا و الغني غنيا، هي فضاء لغياب المساواة الاجتماعية الحقيقية. حيث تحدث عن آليات الانتقاء الاجتماعي التي لا تسمح لغير أبناء الميسورين بمواصلة تعليمهم، و الظفر بمناصب شغل مرموقة؛ على اعتبار أن وظيفة المدرسة المركزية هي إنتاج يد عاملة..

 

تتعدد آليات الانتقاء الاجتماعي هذه عند بورديو، ولكن يمكن إجمالها باختصار في كل العراقيل و المثبطات التي تحول دون متابعة أبناء الطبقات المسحوقة

لدراستهم، أو تعمل على عرقلة سيرهم فيها، من رسوم التسجيل إلى لغة التدريس.

 

يرجع بورديو التفاوت في النجاح المهني؛ باعتباره انعكاسا للنجاح المجتمعي و الرفاه الاجتماعي، إلى مبدأ أساسي هو التفاوت في النجاح الدراسي للأطفال المنحدرين من طبقات اجتماعية مختلفة، فالأصل الاجتماعي يعتبر هو المميز الأساسي الذي يتحكم في عملية النجاح المدرسي؛ يقول: “التلاميذ المنحدرون من أصول بورجوازية يدرسون الآداب القديمة ولغاتها منذ المرحلة الثانوية، بالإضافة إلى أن وسطهم العائلي يمكنهم من إتقان اللغة، وامتلاك استعدادات و عادات ثقافية و مهارات فكرية و شخصية مشروطة اجتماعيا، تجعلهم أكثر استعدادا للتفوق المدرسي، إضافة إلى الدور الذي تلعبه شروط الحياة الداخلية، كالمسكن و الملبس و وسائل الترفيه و الإمكانات المادية في الرفع من مستوى التفوق”.

 

فالرأسمال الثقافي للطبقات الغنية/ البرجوازية المكتسب قبل الولوج إلى المدرسة في الأسرة و مع الأقران، يجعل أبناء الطبقة مؤهلين قبل غيرهم للنجاح في مدارس هندست بما يضمن استمرار هيمنتهم و تفوقهم.

 

بعد هذا العرض الموجز لتصور بورديو للمدرسة، نعود لواقعنا المعاش و نتساءل: أين يتمثل التصور السالف الذكر في واقعنا المغربي؟ أو ما مظاهره؟ خصوصا في تجربة التعليم عن بعد..

 

لا يسعنا استحضار مظاهر التصور البورديوزي للمدرسة كوسيلة ضغط و قهر اجتماعي في صور عديدة، لكننا سنستحضر صورتين تكفيان لكشف هالة التعليم عن بعد، مظاهر اللامساوة تتمثل في ضعف التمكن من الأدوات التكنولوجية الحديثة سواء بالنسبة للتلميذ أو الأستاذ، بالإضافة إلى أثمنة الأنترنت المرتفعة ببلادنا؛ هذان مقدمتان لفشل التجربة في مهدها، فكيف يتوقع أن يتابع أبناء مغرب “الكاريانات” و دور الصفيح دراستهم إسوة بتلاميذ البعثات و مدراس الصفوة!!

 

 

لاشك أن مدرستنا المعطوبة واقعا، يستحيل أن تنتج لنا غير العطب عن بعد، فتلك نتيجة طبيعية، و تحصيل حاصل متوقع لا مفر منه. إذ بسردنا لتصور بيير بورديو للمدرسة، حاولنا أن نقدم صورة/قراءة سوسيولوجية لواقع مدرستنا العمومية، و مختلفة عما يراد له أن يكون “التصور” الحالم الوحيد، هروبا من فظاعة المشكل، و خوفا من مسؤولية الخوض في معالجته..

 

ختاما: لقد عرف بورديو علم الاجتماع بأنه العلم الذي يفسد على الناس حفلاتهم التنكرية، و حفلتنا التنكرية هنا مدرسة تعددت أقنعتها.. لكن لا زال قبحها باديا للعيان.!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق