أكاديرالرئيسيةرأي حر

عالم ما بعد "الكورونا"

على أمل أن يكون هناك عالم ما بعد جائحة كورونا التي تغزو العالم إن ترك لنا الاستبداد بما هو نظام حجر و جبر لا يترك فرصة إلا و أقبر فيها الناس حسا و معنى، و إن نجونا من حماقات أناس هم نتاج سياساته و نظمه و مؤساسته التعليمية و الاجتماعية و التربوية.. نستشرف عالم ما بعد الجائحة بما هي حدث مفصلي في تاريخ “البشرية” التي نعيش في أيامنا هذه تنصلها من إنسانيتها على مكث حتى تستحيل شيئا غير البشر و دونه.
بالطبع أن الحديث عن ما بعد الوقائع؛ و المتحدث لا زال يعيش في خضمها و تتابع أحداثها؛ يفقد الحديث شيئا من معقوليته.
لكن كان لا بد من الحديث طلبا لغايتين: غاية الاستشراف و بث الأمل في مستقبل هو موعود لا شك فيه و غاية الانذار و التحذير بسوء عاقبة ما يتداول من سلوكات تهدم ما لا يمكن بناؤه إلا ببذل جهد نحن في حاجة ماسة إلى حفظه.
في الحديث عن عالم ما بعد كورونا أمر على ثلاثة نقاط هي محاور حديثنا هذا:
_  ما بعد كورونا على مستوى الأفراد.
_ ما بعد كورونا على مستوى الدول.
_ المستقبل لمن؟؟
ما بعد كورونا على مستوى الأفراد:
إن حديثنا عن المستقبل لا يصح دون إنطلاقنا من الواقع المعاش، بإعتبار أن هذا الأخير و تفاعلاته هو ما ينتج لنا المستقبل و يرسم معالمه.
في واقع اليوم نشاهد صورا متنوعة من التفاعلات الاجتماعية مع “كورونا”. فشاهدنا ما يدمي القلب من تهافت الناس على السلع في الأسواق، و شاهدنا من يبكي لنفاذ ورق المرحاض من محلات تسوقه.
و يقابل هذا ما نراه من صور “التجويع القسري” الذي ضرب على من فرض عليهم “حجر صحي” هو سد لمنافذ الرزق إليهم، فكم تداولت أشرطة مياومين و عمال يكسبون قوت اليوم بيومه لا حيلة لهم أمام خيارين أحلاهما مر: البحث عن لقمة عيش مع خطر الإصابة بالفيروس أو الموت جوعا إمتثالا لأوامر سلطة لم تكلف نفسها عناء سد رمق من يفترض فيها السهر على خدمتهم.
مظهران غارقان في التناقض، رسالتهما أن البشرية في حاجة إلى تدارك الهوة الفاصلة بين طبقاتها، صحيح أن ما عملت عليه أنظمة الاستبداد من تفقير و نهب لثروات شعوب منكوبة لن ينتج لنا إلا مشاهد البؤس كالتي وقفنا عليها، لكن على الانسانية فينا أن تتمظهر في صور من “الإحسان الاجتماعي” الذي يقلص ما أمكن من الفوارق باستغناء الأفراد عن الكماليات أوقات المحن و تكثيف مظاهر التكافل.
أذكر أن هذا الإحسان ليس تعويضا لمهام و مسؤولية الدولة في رعاية عمارها و لا حلا لمشاكل الدولة في التسير و لا بديل عن ضرورة محاسبتها عن الدينار و الدرهم من أين أتى و أين صرف.
لكن هي دعوة إلى إشاعة قيم التعاون و التأزر و قسمة التضحيات.
ما بعد كورونا على مستوى الدول:
يمكن أن نعرف الدولة بمقومات ثلاث هي التنظيم\ الهياكل، و النظم\ القوانين، و المشروع الحضاري بإعتباره فكرة تقوم عليها الدولة و تسعى إلى تعميمها في ما يجوز أن نصطلح عليه بالإستعمار الجديد.
يعرف العالم اليوم هيمنة مشروع “حضاري” غربي إن جاز وصفه بالحضاري فلسفته قائمة على فكرة تحقيق أكبر عدد من الرغبات لأهله و حثهم على ذلك.
جاز لنا القول أن معاول هدم المشروع الغربي تكمن في فلسفته الغارقة في الأنانية و الجشع.. و كلها سمات المشروع.
سميت “الدولة” لتداولها و تعاقبها، و إن كان للتاريخ قانون فهو قانون “الدورة التاريخية” بالتعبير الخلدوني الحكيم، نشهد اليوم تبلور معالم عالم ما بعد الجائحة عالم فرض عليه تجاوز النموذج الغربي إن أراد لنفسه الاعمار و البقاء.
نشاهد على مستوى الساحة الدولية تهاو قوى عظمى كانت بالأمس القريب مضرب المثل في القوة و الجبروت، نشاهد تشرذما في قارة أوروبا مضرب المثل في الالتحام و الاتحاد.
نشاهد صعود مارد شرقي إستطاع أن يروج لقيمه و مشروعه أحسن ترويج.
المستقبل لمن؟؟
بعد ما عرضنا معالم التحول التي ترسم لنا الخطوط العريضة لعالم ما بعد جائحة كورونا، حيث حاولنا إستجلاء مظاهر الغد رغم كثافة غبار الأحداث التي تعمي العين.
الاختلاف في الجزئيات و التفاصيل أمر واقع ما دامت تختلف وجهات النظر و منطلقات التحليل، لكننا أمام فكرة جامعة لا خلاف فيها أن المستقبل لحاملي رسالة الأخلاق.
عالم اليوم في أزمة إتفق كثير على تسميتها أزمة قيم، فما على من يريد الريادة غدا إلا أن يبشر العالم برسالة الأخلاق.
يقول سيد قطب رحمه الله في كلمة شهيرة له في كتابه “معالم في الطريق” «إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال .. لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديًا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية .. ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيداً من ” القيم ” يسمح له بالقيادة. لابد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية ، عن طريق العبقرية الأوروبية في الإبداع المادي ، وتزود البشرية بقيم جديدة جدَّة كاملة بالقياس إلى ما عرفته البشرية – وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته.»
الطالب : عبد الكريم ضوبيل

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق