الرئيسيةرأي حر

” الوطن كالأمّ … لكن بلدي كزوجة أبي !! “

“الوطن كالأمّ … لكن بلدي كزوجة أبي”

أصبح هذا المثل وهذا التشبيه شائعاً في السنوات العجاف الأخيرة استهجانا بالأوضاع المعيشية التي يعيشها البلد، يستعمل هزلاً ليصف الواقع البئيس الذي يعيشه أبناء هذا الوطن.

نعم؛ لاينفك يكون الوطن اليوم زوجة للأب – وهذا ليس إجحافا ولا مجازا بل هو حقيقة لا غبار عليها- مجردة من الشيم الأصلية.

منبع الحنان والرأفة والعطف والود تجاه صغار زوجها، هؤلاء الصغار الذين يتمثلون فيها صورة المرأة الحاضنة لهم تحت جناحيها، الكريمة معهم بجودها، والحافظة لهم بأمنها وأمانها، لكنها اختارت في زمن من الأزمان وفي ظرف من الأوقات ولسبب من الأسباب كان مفروضا عليها أو اختياريا أن تتجرد من ثوب وقارها وتتنكر لأطفالها كما تنّكر هذا الوطن المسلوب لأبنائه. أجل ! فهذا الوطن مسلوب منهوب مثقوب .. مسلوبة ثراوته، منهوبة خيراته، مثقوب كيس ثروته. كيف لبلد حباه الله بإطلالتين بحريتين خيراتهما لاتنفذ أن يعرف أبناؤه الجوع !! كيف لبلد أنعم الله عليه بالمعادن والفوسفاط والثروات الطبيعية أن يعيش أبناؤه الفقر !!

نتساءل سويا كيف انتقل الوطن من أم حنون إلى زوجة أب قاسية ؟! وما الذي جعله يفقد المكانة الرفيعة الأولى ليقع في شعور شر بلية الثانية ؟!

لن نحتاج لخبراء وباحثين ولا لجهد وعمل لنجد الإجابة، فالإجابة نجدها على لسان كل مغربي ومغربية، و في الحياة اليومية التي تمدّنا كل يوم بالإجابة الكافية الشافية. لم يستطع الوطن اليوم أن يحتضن جميع أبنائه، لم يستطع أن يبادل أبناءه الحب بالحب، والود بالود، والخير بالخير، وأبواب المستقبل صدت في وجه الجميع.
ألم يكن الشباب دوما سببا في نهضة الأمم؟! وعليه فإن من واجب هذا الوطن أن يوفر لهم كرامتهم وحقوقهم ومتطلبات عيشهم وسيعود ذلك بالفضل عليه تقدما وتحضرا.
نعم؛ قد تجد هذا الوضع في بقعة جغرافية أخرى، في مكان آخر وفي زمن آخر، لكن الشباب في وطني الآن شمعة منطفئة مملوءة النذوب، واقع بئيس ومستقبل مجهول وحاضر مظلم.المواطن ينتظر الحياة من الوطن، والوطن يوفر الموت بالمقابل، حب من طرف واحد !!
تُسلب الحياة من أبناء الوطن كل يوم؛ إمّا طحنا وسط شاحنة أزبال أو حرقا أو رميا بالرصاص أو غرقا في أعالي البحار أو سقوطا من أعلى بناية أثناء المطالبة بحقّ من الحقوق أو سحقا على سكة قطار أُهملت حتى صارت سكّة نحو الموت.. وفي كل مرة يتبادر لذهني سؤال ماذا لو كانت تلك حياتي التي سُلبت أوحياة أختي أو صديقتي أو شخص عزيز ؟؟

إلى متى ستموت كل وردة متفتحة وسط بيئة تصر أن تجعل منها رقما في عداد الموتى! حتى ان اختارت تلك الوردة الهرب لتتخذ بديلا عن بيئتها التي نشأت بها، فتمتطي سبيل العزم فتجد الغرق ينتظرها..أغرقوها و أغرقوا معها آمالها التي تحملها  بين كفيها علها تزهر في مكان ما. حالها كحال “ساندريلا” التي تبذل جهدها في الخدمة والعمل الشاق بعزم وجهد كبيرين كل يوم، تطبخ وتكنس وتغسل وتنظف، فيكون السب والقذف أجر تعبها، وكأنها تصب الماء في كومة رمل. فكم من ذات تعيش بيننا والمستقبل وحده يعلم ماسيلحق بها !؟

لم يعد الوطن صالحا للعيش، أصبح المواطن متعطشا للكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية الضامنة للعيش الكريم، لسان حاله يقول ” إما أن يعيش الفساد إلى أن يأكل بعضه بعضا وينهش عظام الضعفاء، وإما أن يحيى الأبناء بكرامة ويضمحل الاستبداد بفاسديه وينعدم” ، وما الفساد إلا باطل، والباطل إلى زوال.

 

الطالبة حفصة البحري.

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. بارك الله فيك يا اختاه ، مقال يستحق التنويه، شامل لكل ما يعانيه الشعب في وطنه. إنه مقال ناطق باسم كل مقهور من أحوال هذا البلد العزيز الذي لطالما تمنينا أن يكون بحال أفضل، سواء كان هذا المقهور طفلا محروما من أبسط المتطلبات، أو أرملة لا حيلة لها، أرملة تمنت لو أخذت بلدها بيدها و بيد أبناءها اليتامى، أو شابا يتمنى فقط الحصول على عمل يعين به ابويه أو أبناءه أو يشجعه على الزواج في ظل كل هذا الغاء في الأسعار،أو عجوزا لم يملك حلا سوى اللجوء لدور العجزة التي تفتقر لأدنى الشروط العيش.إنه فعلا مقال كامل شامل موجز لما يعيشه ابناء هذا الوطن من احباطات لكل المجهودات المبذولة من قبله لتجاوز وضعيته الهشة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق