الرئيسيةرأي حرغزة

رحلة العودة

أيها القارئ ! أهلا بك في فلسطين، اخلع نعليك! فستطأ قدماك أرضاً مباركة، أرضٙ الرباط و الجهاد .. فلسطين ا

فتيحة أيت القاضي
فتيحة أيت القاضي

لتي تصدقت بدماء رجالها ونسائها لتحمي الأرض وتحفظ كرامة أمّة بأسرها.. هنيئا لك وصولك بسلام لهذه الأرض الطيبة…مهلاً! لا يزعجنّك الغبار السائد، إنها غزة، نحن على بعد أمتار من مخيم العودة..جهّز خوذتك وقناعك الأكسجيني لتحمي نفسك، واستعد للنزول!

نحن الآن في الحدود الشرقية لغزة، تلك الأسلاك البعيدة هناك تفصلنا على أراضي 48، لسنوات طويلة كانت مجردُ فكرةِ الاقتراب من الحدود ضربٌ من الجنون و شبهةٌ أمنية لا تحمد عقباها، لكن اليوم : واقع جديد، كُسر حاجز الخوف، وتلك الحدود التي كان لا يُرى منها سوى مصابيح المركبات الصهيونية العسكرية، أصبحت اليوم تعج بالمخيمات، حيث مئات الباعة المتجولين، وفرق الكشافة وقارعي الطبول ومطلقي الطائرات الورقية، وكذا الدّراجين و طهاة المأكولات الشعبية، حتى لاعبي كرة القدم و كرة الطائرة تجدهم هنا.

تلك الصغيرة التي تجري هناك، اسمها بسمة، لا تشفق عليها ! فلا شيء يخيفها هنا، تقول أنها أحضرت مياهاً معدنية لغسل عيونها إذا هوجمت بقنابل الغاز، كل ما يسعدها أنها تحظى وإخوتٙها في كل ليلة بجلسة مع أبيهم الذي يروي لهم قصصا عمّا كان يفعله عندما كان في عمرهم، وماكان يصيده جدّهم في بحر يافا، فيزداد شوقهم ليافا يوما بعد يوم.

أما تلك الفتاة المحمولة هناك، هي وصال.. وصال الشيخ التي سمعت آذان الظهر وهي على خطّ المواجهة الأول فقالت لمن حولها “مامعي وضوء لأصلي وخطر عليّ أرجع على مخيم العودة” أشرن عليها من حولها بأن تتيمم، تيممت وصلّت فرضها، وما إن انتهت من صلاتها إلا ورصاصة غادرة استقرت في رأسها فارتقت شهيدة لتكون بذلك أول شهيدة فتاة ترتقي خلال مسيرة العودة الكبرى.

أما ذلك الكرسي هناك، فهو كرسي فادي..فادي أبو صلاح، فقدٙ قدميه في حرب 2009، واليوم فقدته غزة.. واجه الاحتلال بكرسيه و مقلاعه، ارتقى ! فظل الكرسي و المقلاع شاهدين على جهاده، فكان القعيد الذي أحيا أمّة بجهاده.

تلك الواقفة هناك.. هي أمّ ليالي.. ليالي الطفلة التي قدّر لها أن تعيش ل 8 أشهر وترتقي إلى ربّها بعد أن اختنقت بالغاز الصهيوني السّام، يا لها من حياة عظيمة رغم قصرها و يا لعظمة ما ينتظرها عند ربّها.

أما تلك الفتاة التي تقف بين الجموع شامخة هي إسراء عاشور زوجة الشهيد محمد عبد، بدأت حربها مع الحزن ليلة أمس بعد أن فقدت مهجة قلبها، ستقتلها الأسئلة في كل ليلة و ستنهكها الأمنيات، لكنها ستدفع كل ذلك بصبرها، لن يهزمها الحزن، كما لم يهزم من قبلها، فزوجها ليس الأول و الأخير… ياسر … أحمد… جهاد… ابراهيم… امين … مصعب… محمود….

60 شهيد في يوم واحد فقط… 60 جنازة…60 بيت عزاء…60 عائلة تتوجع…60 مقعد سيختفي على المائدة في رمضان..

توقف ! لا تبك ! لم آت بكٙ كل هذه المسافة من أجل البكاء،  أعرف انك لن تتحمل مايتحمله أبناء هذه الأرض، لم تشرب ماءها ولم تتشرب معاني الحصار والحرب والفقد، لم تشعر قبلاً كيف يُفقد أبٌ ويسجن أخ وتُقعد أخت .. لم تجرب كل هذا !! فكيف لك أن تتحمل كل هذا وأن تستوعبه !! هؤلاء رُكّبت جيناتهم و خلاياهم على الصمود الذي وراءه عودة .. وعلى الصبر الذي وراءه إيمان بحق الأرض .. حق بازغ بزوغ الشمس في وضح النهار .. لاسبيل لعابر أن يغطيه أو يمحيه، فلا داعي للبكاء، فلم يعُد هناك وقت لذلك أصلا، كل ما عليك فعله بعد أن رأيت ما رأيت، أن تعود لوطنك .. فقد قُدّر لك أن تكون هناك بحكمة من رب العالمين..عُد لحياتك واحمل هذه القضية في قلبك، فإن حملها قلبك فلا خوف عليك، ستترجم جوارحك ذلك الحب إلى عمل ونصرة و جهاد من موقعك، نظّف الجرح من هناك، وتخلص من أعراض السرطان وسأضرب لك موعدا غداً، لنمحوا ما تبقى من الفيروس معاً، ونفطر كعكا و زعترا على درجات البلدة القديمة بالقدس الأبية.

فتيحة أيت القاضي

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. فتيحة ماشاء الله حبيبتي بالصح عشنا بعد دقائق في غزة الصامدة اللهم انصر اخوتنا في فلسطين و سوريا و العراق و كل بقاع الارض. آمين دمت متألقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق