أخبار الجامعاتالرئيسيةرأي حر

الجامعة المغربية؛ واقع العزلة ومداخل الإصلاح.

الجامعة هي القيادة العلمية والفكرية للمجتمع، هكذا يتحدث السوسيولوجيون عن هذا المرفق الحيوي، محددين وظيفته وموقعه الهام ضمن المنظومة المجتمعية. وإن كانت مهمة القيادة تتطلب يقظة وحذرا، وبناء من نوع خاص، فإنها في الآن نفسه تتطلب اهتماما بالغا، لوضعها في المكانة التي تؤهلها للقيام بمهامها في التخطيط لنهضة مجتمعية شاملة، بعد صناعة نخب وأطر تتعدد مهامها واهتماماتها بتعدد المرافق المجتمعية، وتثقل مسؤولياتها بثقل تطلعات أبناء الشعب.
وإن كانت فصول الدراسة ومدرجاتها، ومناهج البحث وطرق التدريس، إضافة إلى سياسة الدولة في الجامعة المغربية تستدعي الكثير من الكلام والنظر في قدرتها على صناعة أطر بالقدر الكافي من الخبرة والتجربة، فإنني أرى أنه لا يمكن الاستغناء عن الفضاء الموازي في الجامعة بما يتيحه من فرص تعزيز البناء المتكامل للشخصية الطلابية علميا وفكريا وسياسيا وحقوقيا وتواصليا، لذلك سأحاول في هذه الأسطر أن أسلط الأضواء على الجامعة لأبين جزءا من الحيف والحصار الذي تعاني منه بشكل يقلص فرص حضورها في النقاش المجتمعي:

  1. واقع الجامعة: إهمال وحصار وتشويه

إن واقع الحال ونحن ننظر إلى الجامعة في المجتمع المغربي، والعربي عموما، لا نرى غير التخطيط لمزيد من العزلة لهذا المرفق. ولا يقتصر تخطيط الدولة على العزل، بل ويصل الأمر إلى التخطيط لصناعة الفشل وتصديره من داخل الجامعة، ويكتسي هذا التخطيط لباس الإصلاح بنسخه المتعددة.
لا يمكن لعاقل أن يبرئ عدم التفاعل إعلاميا مع كل الأنشطة العلمية والثقافية والنقابية والسياسية التي تنظم داخل الجامعة، على ثقلها وجدوائيتها في الوصف اهتماما، أو التخطيط والتنظير توجيها، أو في محاكاة جزء كبير من القضايا المجتمعية، بل وإسهاما في دراستها تفكيكا ونقضا، أو دعمها والتنويه بها تعريفا ودعاية، ويستثنى من ذلك بعض المواقع أو الجرائد التي لها خط واضح تجاه الجامعة أو المحسوبة عليها.
فلا يَكاد يَعرف أبناء هذا الوطن من عموم الشعب على الجامعة غير أنها مدرسة لمتابعة ما بعد الباكالوريا، أو مكان لتخريج العاطلين الذين لم تعد شوارع الرباط حكرا لهم، وزاحمتها باقي شوارع الوطن المكلوم.
من يخبر عموم الشعب أن الجامعة مستوياتٌ ودرجات في تحصيل المعرفة؟ من يخبر عموم الشعب أن الجامعة مكان لملتقيات العلم، ومنتديات الإبداع وموائد السياسة؟ من يخبرهم أنها ورش لصناعة الرجال؟
بل يكفي، أخبروهم فقط أنكم حاصرتم الجامعة…
والأكثر من الحصار أنها تجند كل مؤسساتها -وفقط- لتسليط الضوء على مواضيع العنف وتسويقه على أن الجامعة مكان للصراعات العنيفة، والقتال بين الفصائل، وأنها بركة من الدماء ومكان لصناعة الأسلحة وتصديرها. لقد صوروا الجامعة على أنها مسرح لرحى حرب مستعرة بين العرقيات والطوائف لتسويغ تدخلاتهم الأمنية العنيفة في حق طلاب عزل أبرياء، وتسويغ سياساتهم التشريعية الزاحفة على الحقوق المادية والمعنوية لمختلف مكونات الجسم الجامعي.

  1. الجامعة والفعل المجتمعي

الدولة المغربية رسمت خطا واضحا من أجل عزل الجامعة وجعلها خارج نبض المجتمع، فلا تريد لما يحدث داخلها أن يجد صداه في بقية المرافق، ولا تريد لما يحدث في الشارع أن يجد صداه في الجامعة، لأنها تعي جيدا أن علاقات التأثير والتأثر بين الجامعة ومحيطها المجتمعي، إن تم تنظيمه بما تمليه عليه اللحظة السياسية، فسيشكل خطرا على أساسها الذي قامت عليه ملخصا في الجهل والخوف، الذين ضربا بثقليهما في جدور كثير من الفئات المجتمعية، لأن الجامعة قلعة لمحاربة متون الجهل والتجهيل الممنهج بكل مستوياته، وسلاح لمطاردة شبح الخوف الذي رسمته النخب الحاكمة لمدى عقود على جدران اليأس.
لذلك فهي تعمل على قطع الحبال والقنوات التي قد تقوي الروابط بين كل المرافق الحيوية في المجتمع وليس فقط الجامعة، حتى تتمكن بسياستها المنتهجة من التفرغ لكل قطاع على حدة، غير أن وعي الطلاب بمهامهم في حاضر تكوينهم وبنائهم، ومستقبل مسؤولياتهم القيادية، يفرض عليهم غشيان كل تحركاتهم بروح وحدة المصير والمسير لكل أبناء  الشعب المغربي وفئاته.
إذا أراد أصحاب القرار –صادقين-  لهذه الدولة أن تتقدم، فلابد من تدقيق النظر في نوعية الاهتمام الذ ي يولونه للجامعة، باعتبارها غرفة لهندسة أوراش النهضة والتقدم الحضاري، غرفة لإنتاج الأفكار والمعلومات وتمريرها واستثمارها، لا يمكن أن ننعم بثمار الجامعة إن لم نرصد لها ما تستحقه من دعم واهتمام، وقبل ذلك من إرادة تتجاوز الحسابات الضيقة.
نسائل جامعاتنا على غرار الجامعات العالمية في الدول المتقدمة، كم عدد الأموال والميزانيات  المخصصة لمباحث التطوير والأبحاث العلمية والاجتماعية!؟ بعد ذلك نسأل عن عدد الأبحاث الأكاديمية الدقيقة التي قدمت إضافات نوعية أو إجابات واقعية لمشاكل متعلقة بقضايا اجتماعية أو بمرافق اجتماعية.
من الأزمات الخانقة التي تقلص من دور الجامعة، غياب مخرجات بحثية حقيقية تعود بالنفع المباشر على المجتمع بكل مرافقه، نظرا إلى أن رجال الأموال والأعمال هم من لهم الحظوة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية، وحتى السياسية، وإن كانت هناك من مخرجات، فليست هناك من مؤسسات متخصصة تعمل على بلورتها إلى مشاريع حية، وهذا ليس غريبا عن مجتمعات تقودها الأموال والعلاقات بدل المعرفة، خلافا للمجتمعات المتقدمة التي تجعل من عمق سياساتها الإستراتيجية، تحديد ميزانيات ضخمة للجامعات، وتحديد شركات خاصة لرصد الأبحاث والمشاريع العلمية النوعية وتنزيلها، بل إن هناك تعاقدات بين جامعات وشركات لتصريف المشاريع البحثية بمواصفات وطلب محدد.

  1. الجامعة ومداخل الإصلاح:
  • مقدمات:

لابد من إيلاء الاهتمام للجامعة، ووضعها في مكانتها الاعتبارية وفي صلب النقاش المجتمعي، وفك العزلة الإعلامية عنها، فلا يعقل أن يتم تغييب مرفق مهم من النقاش، بل يجب تسليط الأضواء على أنشطتها والتعريف بها، والدعاية لها بشكل إيجابي في مختلف قنوات القطب العمومي، ببرامج خاصة ودورية.
الرفع من نسب الميزانيات المرصودة للجامعات إن على المستوى التدبيري، أو على المستوى البحثي مهم جدا في تحقيق الاكتفاء، بما يكفل لها تجاوز شح الموارد والإمكانيات، إلى التفرغ الخاص لمهام البحث والاختراع والتطوير.
استقلالية كيان الجامعة وعدم تبعيتها لأية مصالح أمنية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو حزبية، أو مصالح أخرى، وعدم خدمتها لأجندات معينة خارج مهامها الاعتيادية، يقوي من دورها في صناعة نخب وأطر وكفاءات تتمتع بالقدر الكافي من طواعية الإرادة واستقلاليتها، ومضاء العزيمة وقوتها، لبناء مجتمع لا يسوده الحقد والكراهية والحسابات الضيقة.
لا يمكن النهوض بالجامعة إن لم يتم الاعتناء بخريجيها وتوظيفهم في مراكز قيادية بالمجتمع، بدلا من ترك رجل الأعمال والأموال في مفاصل الدولة للاتجار في تطلعات واهتمامات الناس، واللعب على إرادة الشعب، وتغليب المصالح الخاصة على المصالح العامة والاستراتيجية للأمة. فعندما يقود الجهل لا تنتظر للعلم وأهله إلا المكان المحترم في الهامش في أحسن الأحوال، إن لم تنصب لهم كمائن وتكال لهم تهم.

  • المدخل البيداغوجي:

الحديث عن هذا المدخل يسلط الأضواء على جزء من الأزمة الذاتية للمنظومة التعليمية، من حيث التوجهات العامة التي تحكم فلسفة الدولة في تحديد المادة المدرسة ونظام التدريس المعتمد، إضافة إلى المناهج المعتمدة وطرق التدريس  بشكل يلقي بظلاله على واقع التحصيل المأزوم، ويرخي سدوله على نوعية التكوين الرديء، بحيث يجد أبناء الجامعة  أنفسهم أمام متاهة النظام البيداغوجي المعقد، الذي تتضخم تفاصيله الإدارية على حساب الجانب المعرفي، فيحتم عليهم بذل جهود أكبر  لاستفادة أقل.

  • المدخل التشريعي:

التطرق لهذا المدخل، يجعل طريقة تدبير الدولة ومؤسساتها تحت المساءلة، من حيث توظيف مؤسسة تشريعية منتخبة، في المصادقة على قوانين تصوغها لجان ومؤسسات استشارية معينة، مرسومة الخطى والتصورات والأهداف، وهو ما يطرح سؤال قدرتها على استيعاب حجم الانتظارات المعلقة عليها تجاه مستقبل شعب.
الجانب المظلم والمسؤول عن واقع الجامعة يتلخص شق منه في الجانب التشريعي بمراسيمه المتوالية، وإصلاحاته المتراكمة نسخة بعد أخرى خدمة لأهداف ليست بالضرورة مرتبطة بالجودة والرقي، بقدر ما تتوخى تنفيذ التوصيات، وبلورة الاتفاقيات المبرمة مع المؤسسات الدولية المانحة، وما يزيد هذا الشق سوءا، هو المضاء في هذه السياسات بجانب أحادي من قبل الدولة دون إشراك جميع من يهمهم أمر الجامعة والطلاب، وإن حصل وتم إشراك بعض الشخصيات؛ فبصور لا تتعدى الشكل، وهو ما لن يحصل معه الإجماع على جدوى الإصلاحات، لاعتبار مهم هو أنه لا يمكن خدمة الجامعة بدون إشراك كل مكونات الجسم الجامعي، من أساتذة ونقاباتهم ومهتمين، وممثلين عن الطلبة ونقابتهم، مع عدم تغييب الأهداف السامية لمجتمع ذي خصوصيات وحافظيات معينة.
وينبغي الأخذ بعين الاعتبار، عدم الانبطاح للمخططات الدولية المبطنة، لتدمير الإرادة الحرة للشعوب في بناء مجتمعات ديموقراطية، تستجيب لتطلعات أبنائها بعيدا عن ثقل هذه الالتزامات المحبطة.

  • المدخل السياسي:

إذا كان الفعل السياسي مؤطَّرا بتوجهات الحقل التشريعي والقانوني وخادما له، فإن من أولى أوليات النخب السياسية؛ السعي للوصول بشكل من الأشكال إلى المنظومة التشريعية والقانونية لتعديلها بما يترجم الإرادة الشعبية، وتبويئها مكانة الإجماع الوطني بما يخدم الأهداف الاستراتيجية النبيلة للمجتمع، وقبل العمل على تحقيق ذلك لابد من تخصيص حقل التعليم والجامعة بمزيد من الاهتمام في البرامج السياسية الحزبية والحكومية.
وقبل الحديث عن كل ذلك، يتوجب بداية أن تتوفر إرادة سياسية حقيقية لدى القائمين على أمر البلد، وتحصل رغبة جامحة للنهوض بمنظومة الجامعة، والقطع مع سياسة تهميش المرافق الحيوية من أجل بناء مجتمع نهضوي مبني على روح تحرير كل المبادرات، والاستفادة من كل الطاقات.
وليس بالضرورة أن تنتظر القُوى الحية سياسيا واجتماعيا، غير المنضوية تحت الرؤية الرسمية للنظام، حتى تتحقق الإرادة السياسية الرسمية، بل لابد من مدخل بديل يستوعب أهمية كل المرافق الأساسية المهمشة بما فيها الجامعة، من أجل رعايتها واستحضارها بشكل لائق في الحوار المجتمعي؛  ولا شك أن هذا الحوار الخارجي سيكون المحدد الأساس، والموجه للعلاقات الداخلية، من منطلق ضبط القطاعات الطلابية لتبقى وفية للأهداف السامية للمجتمع.

  • المدخل الحواري وتوحيد الحركة الطلابية:

إذا كان الجزء المهم من النقاش فيما يتعلق بالنهوض بالجامعة مرتبط  بإكراهات موضوعية، فإن الجزء الأهم من النقاش كذلك مرتبط بإكراهات تخص مكونات الجسم الجامعي في نوعية العلاقات التي تحكم بعضها ببعض.
إن الوعي بأهمية الحوار بين كل الفرقاء في الجامعة، والتمتع بثقافة استيعاب الآخر، ضرورة حتمية للتحول من زمن الإقصاء والنفور والتشرذم، إلى زمن الفعل المؤَطَّر بمراعاة حدود التلاقي والاختلاف، لبلوغ زمن الالتقاء على أرضية المشترك، والتأسيس لفعل طلابي وحدوي، يجعل من صلب اهتماماته إنقاذ الجامعة، وصيانتها من عبث العابثين، ذلك أن توحيد الجبهة الداخلية وتقويتها، وتفعيلها بشكل إيجابي، يوفر الجهد والوقت ويضع الجامعة في مكانتها السامية كجزء مهم من المجال العمومي.
ومما يساعد مكونات الحركة الطلابية في الجامعة على توحيد صفها، وجود إطار نقابي يعترف به الجميع “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” بتاريخه النضالي والسياسي، ويمكن إغناء هذه التجربة أكثر إذا توفرت الرغبة لدى كل الأطراف والمكونات، عبر الجلوس إلى مائدة الحوار ورسم خريطة واضحة المعالم لحاضر ومستقبل العلاقات بينها.

  • المدخل الاقتصادي:

من المداخل المهمة للنهوض بالجامعة، ربطها بمحيطها السوسيواقتصادي، فينبغي أن نجعل منها منظرا لحاضر  الورش الاقتصادي ومستقبله في المجتمع، ذلك أن جزءا مهما من الأبحاث الجامعية والدراسات العلمية، يجب أن توجه لهذا الباب، لكن لن يكون لهذا الحديث معنى، إن لم تُرصد مؤسسات وشركات متخصصة، لترجمة المشاريع العلمية، والبحوث الأكاديمية للطلبة إلى مشاريع واقعية، وهذا الحديث يجعلنا في وضع متقدم نتجاوز من خلاله الحديث عن تخريج الأطر والكوادر بمستوى عال من الكفاءة، على سبيل تحقيق الاكتفاء في علاقة الجامعة بسوق الشغل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق