رأي حر

انتخابات "بيرزيت" ونضج الحركة الطلابية الفلسطينية

بقلم :طارق الرداح ..

توطئة

من خلال تتبع حصيلة ما راكمته مختلف المنابر الاعلامية  ومواقع التواصل الاجتماعي من قراءات لنتائج الانتخابات الطلابية بجامعة بير زيت برام الله ، نخشى أن تشغلنا المقاربة السياسية في تناول الحدث عن ما أفرزته التجربة من دروس في الممارسة والفعل الطلابي الراقي والذي يستحق أن يكون أنموذجا للحركة الطلابية في العالم العربي والإسلامي وذلك لعدة اعتبارات نأتي على تفصيلها في محاور هذا البحث المتواضع .

وبعد الدرس والتتلمذ على التجربة بما يخدم فعلنا الطلابي نأتي على تقديم قراءة لنائج الانتخابات ودائما بمقاربة تفتل في مصلحة الحركة الطلابية الفلسطينية باعتبارها مستقبل المقاومة والبناء .

جامعة لها وزن

إن حجم التعاطي مع انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت بهذا الشكل الشعبي الواسع والتحليل السياسي العميق يرجع بالأساس إلى خصوصية الموقع باعتباره احد أعرق المواقع الجامعيه بفلسطين ،ويحتل مرتبة متقدمة من حيث مؤهلاته العلمية والأكاديمية والمرفقية وعدد الكليات  التي تشمل مختلف التخصصات “علوم ادب تجارة هندسة …” إضافة الى هذه الخصوصية الاكاديمية والتاريخية هناك أيضا خصوصية سياسية للجامعة تتجلى بالأساس في موقعها الجغرافي بالضفة الغربية وفي “رام الله” قلب السلطة الفلسطينية ،كما اعتبرت الجامعة ومنذ فترة الثمانينات معقلا لشبيبة الطلابية الذراع الطلابي لحركة فتح وأحد أهم مراكز تخريج القيادات الفتحاوية “سمير صبيحات، ومروان البرغوثي، وجمال إدريس…” ولعل من الأهم الخصائص السياسية للموقع الجامعي بير زيت كونه يشهد فعلا طلابيا تعدديا وتنافسية قوية بين الكتل الطلابية وهذا بفضل الصمود الذي سطرته الكتلة الاسلامية لتفرض نفسها كمكون داخل الجامعة رغم الحصار والمنع الذي يفرضه التنسيق الأمني بين عناصر الاحتلال والسلطة الفلسطينية برام الله الشئ الذي أدى الى تعطيل عمل الكتلة الإسلامية بالجامعة لست سنوات عادت بعدها لتشتغل سنة 2009 رغم استمرار التضييق عليها ولا أدل على ذلك من كونها تجري انتخاباتها لهذه السنة في ضل اعتقال 35 عضوا من كوادرها .

فعل طلابي راق

ان المتتبع لمسار العملية الانتخابية لمجلس طلبة جامعة بير زيت كنموذج لما عليه الممارسة النقابية للحركة الطلابية الفلسطينية لا يملك إلا أن يحيي عاليا كل مكونات الجامعة الفلسطينية من كتل وإدارة وجماهير طلابية ، لما عبرت عنه من نضج في تبني خيار الوحدة الطلابية وتعددية الكتل وديمقراطية الفعل النقابي الطلابي ،.بدءا بتفعيل “التمثيل النسبي” كنمط للاقتراع يفتح المجال أمام تعددية ثمثيلة في مجلس الطلبة ويمنع إقصاء الأغلبية للمكونات الضعيفة كما يفرض هذا النظام التصويت على القوائم لا على الأشخاص الشيء الذي يفسح المجال لتنافسية المشاريع  والبرامج النقابية والاجتماعية …

ثم اعتماد الحوار الفصائلي ” الكتلة الاسلامية -كتلة الشهيد ياسر عرفات –القطب الطلابي الديموقراطي التقدمي- تحالف بيرزيت الطلابي ” كمنهج للتنافسية الديمقراطية وذلك من خلال مناظرات انتخابية تعرض خلالها الكتل برامجها النقابية والاجتماعية وخياراتها السياسية ويؤطر هذه المناظرات عمادة الشؤون الطلابية وذلك برحاب الكلية وأمام حشد طلابي وازن ، وهذا ما يؤشر على علاقة التكامل بين الكتل كفاعل نقابي والعمادة كإدارة جامعية وذلك في سياق التدافع المطلبي المستمر، كما يؤشر على الوضوح في البرامج والأهداف الذي يطبع العلاقة بين الطالب كناخب وبين الكتل كمنتخب و يؤسس لعلاقة تعاقدية واضحة المعالم في غير غموض أو كولسة .

كما أن المواكبة الإعلامية لأطوار عملية الانتخابات والنقل المباشر على موقع الجامعة و بعض القنوات التلفزيونية لعملية التصويت والاقتراع من شأنها أن تقطع الطريق أمام أي محاولة لتلاعب بنتائج الانتخابات وترسخ مبدأ المصداقية لمجلس الطلبة كونه جاء نتيجة انتخابات نزيهة وشفافة شاركت فيها قاعدة جماهيرية مهمة تجاوزت 70 في المائة  .

وإن كانت أسس وآليات الممارسة الانتخابية بجامعة بير زيت تعكس رقي الممارسة الطلابية الفلسطينية فإن أكثر ما يدلل على هذا المعنى هو رد ة فعل الكتل بعد إعلان النتائج حيث ساد القبول بالنتائج ومبادردة الفصائل “الخاسرة”بتهنئة الكتلة الاسلامية على فوزها  هذا التعامل الراقي الذي بادلته الكتلة الحمساوية بفعل لا يقل رقيا بإعلانها في مهرجان النصر عن نيتها تشكيل مجلس طلبة وحدة وطنية دون اقصاء أي فصيل خدمة لمصالح الطلبة ودعما لخيار المقاومة .

قراءة في النتائج

مهما حاولنا تقديم قراءة لنتائج الانتخابات الطلابية بمعزل عن السياق العام فإننا سنكون عاجزين عن بسط تحليل يقارب الموضوع في عمقه السياسي، هذا العمق الذي له عدة اعتبارات لدى الطالب “الناخب” الفلسطيني هذا الطالب الذي نشأ وترعرع في ضل مناخ سياسي يطبعه الاحتلال وتباين الخيارات السياسية في التعاطي مع قضية التحرر بين خيار المفاوضات وخيار  المقاومة .

ولاشك أن ميل كفة الأصوات لصالح الكتلة الإسلامية هو تعبير صارخ من شباب الضفة عن اقتناعهم بخيار المقاومة واستفتاء داخل معقل السلطة الفتحاوية على شعبية حركة الجهاد الاسلامي “حماس”.

لكن ورقة خيار المقاومة مهما كانت رابحة لا يمكن الرهان عليها لتحقيق هذا “الاكتساح” لولا وجود برنامج مطلبي نقابي واجتماعي كان دائما نقطة التقاء هموم الطلبة بنضالات الكتلة التي تعددت أشكالها الراقيه والمسؤولة  لتشملت ما هو نقابي واجتماعي وعلمي وثقافي .

إشار ة لابد منها

ومما لاشك فيه أن الانتخابات الطلابية بجامعات فلسطين ستلقي بضلالها على مستقبل علاقة الفصائل باعتبار الدلالات السياسية لما تفصح عنه صناديق الاقتراع وباعتبار الفئة الطلابية الممثلة للكتل والتي ستصبح بعد غد قريب كوادر المستقبل داخل فصائلها وروافدها السياسية ،وستحاول أن تنقل تجربتها وتعكس ماعاشت عليه من قيم داخل الجامعة .

فإن نجاح الطلبة في تحقيق ما عجز عنه الكبار في ترسيخ مناخ سياسي وتوافقي عنوانه الوحدة الوطنية ،لهو الضامن لمستقبل القضية الفلسطينية والقادر أن ينتج قيادة فتحاوية مستقبلية تقبل بالديمقراطية وتنفض عنها غبار “اتفاقيات أسلوا” وتتبنى خيار المقاومة، ومن جانب آخر فإن العمل الطلابي المشترك من شأنه يخرج جيلا حمساويا لا يتغول بأكثريته ويبني مؤسسات الدولة بمنطق التوافق لا بمنطق المحاصصة .

ومما لا شك فيه أيضا أن فعل الثأثير والتاثر متبادل بين الكتل الطلابية والفصائل الأم، وكما يبشر بأمل فرض الممارسة الطلابية مبادئها الوحددوية والديموقراطية على المشهد السياسيي خارج أسوار الجامعة ،فإن التخوف أيضا قائم من أن يعصف بالتجربة الطلابية الراقية ما تبثه القيادات السياسية من خطاب حشد واسقطاب واستهانة بخيارات الطلبة بتصريحات فئوية حزبية ضيقة تكرس لمنطق التقاسم والاحتقان بين الكتل الطلابية داخل الفضاء الجامعي . خطاب قد يجني على الممارسة النقابية داخل الجامعة التي يراد منها أن تكون قلاعا للعلم والمعرفة والحرية وشريكا استراتيجيا في عملية التحرر والبناء .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق