ندوة طلابية بحضور رموز وطنية؛ طلابية ونقابية، رفضا لمشروع القانون الجديد 59.24

بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، عرفت كلية العلوم يوم الأربعاء 03 دجنبر 2025، تنظيم ندوة وطنية طلابية أعلن عنها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب تحت عنوان “مشروع قانون 59.24: نحو إصلاح حقيقي أم نحو القضاء على ما تبقى من منظومة التعليم العالي والبحث العلمي؟”، حضرتها رموز وطنية، طلابية ونقابية، أعضاء لجان وتنسيقيات ونقابات لها وزنها في الوسط الأكاديمي، وذلك بحضور طلابي وازن يعكس حجم تهمم الطلبة بمصير الجامعة العمومية وسط كل محاولات تخريبها بسياسات ارتجالية..
افتتحت الندوة وسط شعارات طلابية دوت في أنحاء المدرج، عكست معانيها رفض الجماهير الطلابية لمحاولة اجتثاث الفعل النقابي الذي يفسح المجال أمام الطلبة للتعبير والدفاع والتنظيم، بالإضافة لشعارات تثبت تمسكهم بمجانية التعليم، وشعارات ترحيبية بضيوف الندوة الخمس، الطالب أسامة العكادي عن التنسيقية الوطنية للطلبة المهندسين بالمغرب، والطالبة إيمان ٱيت بن عمرو عضو اللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان، والدكتور محمد بن مسعود عن النقابة الوطنية للتعليم العالي، والطالب عدنان اللغميش عضو الكتابة الوطنية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، كتمدخلين، والطالب ياسين الفراك عضو الكتابة الوطنية للاتحاد مسيرا..
في أول مداخلات الندوة افتتحت عضو اللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة الطالبة إيمان آيت بن عمرو مداخلتها بأن فصول مشروع القانون الجديد تؤكد أن هدف الوزارة لم يعد هو خلق جيل مفكر بل خلق أناس عبيد للرأسمالية حسب وصفها، وأنه مشروع يجهز على الحق الدستوري في التمثيليات النقابية الطلابية من أجل التظاهر والدفاع عن حقوق الطلبة ومكتسباتهم التاريخية، وحصر حرية التعبير داخل القضاء الجامعي فقط فيما هو ثقافي ورياضي وفني، وأضافت أنه في مقابل حذف حق التمثيليات الطلابية تم إعطاء العمداء حق التنظيم في تكريس آخر للسلطوية ومنطق التحكم العمودي..
وعبرت آيت بن عمرو أنه أثناء احتجاجات طلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان أنه رغم أن القانون المؤطر حينذاك كان هو القانون 00.01، والذي يضمن في مواده حق الطلبة في التمثيل والتظاهر والتعبير السلمي على كل متطلباتهم، إلا أنه تم حل مكاتبنا بدون موجب حق، رغم أنه ومع نهاية الإضراب تم توقيع محضرين باسم مكاتب ومجالس طلبة الطب والصيدلة في كل أنحاء الوطن، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على اعتراف مؤسسة دستورية بحق الطلبة في التمثيل والحرية النقابية والتجمهر والدفاع عن حقوقهم بكل السبل المتاحة، بل والذي يعمق هذا الاعتراف هو أنه تمت دعوة كل كليات الطب والصيدلة العمومية إلى تضمين هذه المكاتب والمجالس في أنظمتهم الداخلية، تعزيزا للديموقراطية والثقة المؤسساتية وتفاديا للشطط الذي تم استخدامه اثناء الاحتجاجات، وعبرت مستغربة “والآن يتم الإجهاز على كل هذه المكتسبات، وكل هذا فيه سلطوية وتمركز إداري وتكريس لأخذ القرارات الأحادية، ولن ينفع هذا أحدا، بل العكس، فحذف المواد هو ضرب في الحرية النقابية والأفكار التنويرية للجامعة التي يجب أن تضمن كل هذه الحقوق”..
واستمرارا في مداخلتها حول مشروع قانون 59.24، عبرت عضو اللجنة الوطنية إيمان ايت بن عمرو أنه بالإضافة للضرب في استقلالية الجامعة، من حيث إفقاد الأستاذ الجامعي أبرز الصلاحيات التقريرية على المستوى البيداغوجي، فإن هناك مادتين، 29 و30، اللتان تقننان ما يسمى بمجلس الأمناء، الذي يتضمن والي الجهة ورئيس الجهة، بالإضافة لأستاذ واحد ممثل، ورئيس(ة) الجامعة بصفة استشارية فقط، وفي تغييب تام لحضور أي تمثيلية طلابية، وأكدت أيت بن عمرو أن هذا في اعتباراتها “عسكرة للجامعة واستمرار في سياسية المخزن القمعية”، لتختتم مداخلتها بأنه يجب على كل مكونات الجامعة أن تتوحد لرفع الحظر العملي على العمل النقابي والحركة الطلابية، لأنه زالت هناك فرصة للنضال من أجل سحب هذا المشروع.
ومن جانب آخر، افتتح الطالب أسامة العكادي عضو التنسيقية الوطنية للطلبة المهندسين مداخلته بالحديث عن الاحتجاجات التي خاضتها التنسيقية، ليصل لرفضهم القاطع إلى جانب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب واللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة مشروع القانون التي عبر عنها بالارتجالية جدا وفي غير سياقها ووقتها، ولفت أن هناك غياب لتمثيليات الطلبة في مشروع القانون 59.24، في حين أن قانون 00.01 كان يكفل ولو نسبيا حق تمثيلية الطلبة من أجل الدفاع عن مصالحهم، واسترسل مبرزا أن هذا القانون لا يعتبر الطلبة كشركاء بل يتعامل معهم كمستفيدين فقط..
واستمرارا في مداخلته طرح الركادي فكرة مركزية، مفادها أنه لم يعد هناك وضع اعتباري لمهندسي الدولة، وذلك مع كثرة المدارس الخاصة، ومنحها طلابها شواهد تمنحهم صفة مهندس الدولة بدون شروط مسبقة، كالمستوي والشروط التي وضعت للطالب العادي ليلج مؤسسة عمومية، وأثار خلالها علامة استفهام بشأن التكوينات داخل المؤسسات الخصوصية، هل تختبر القدرات الأكاديمية للطلبة للاستمرار داخل هذا التكوين ومسايرته، وانتقد في نفس السياق القيمة التي أضحت تمتلكها المؤسسات الخاصة في مقابل مؤسسات عمومية عريقة لها قيمتها العلمية..
وأضاف في سياق آخر أن التمثيليات الطلابية والشباب بصفة عامة ليس لهم رأي تشاركي في اتخاذ القرارات ولا حتى الاستماع لهم، وظهر ذلك جليا في احتجاجات جيل زد الذين أبانوا أن هناك جيلا من الطلبة أكثر وعيا ورفضا للإقصاء، وأكثر قدرة على تنظيم الاحتجاج لكنه يقابل بالعنف ولا يقابل بالحوار..
وقد كان حضور الندوة الطلابية على موعد مع مداخلة للدكتور محمد بنمسعود عضو النقابة الوطنية للتعليم العالي، افتتحها قائلا “بأن الجامعة قاطرة التنمية وحاملة المشعل من أجل إعادة تنمية المجتمع”، وفي سياق الندوة عبر أن مداخلته تأتي بأربع نقاط أساسية أولها السياق، وفي إطار ذلك عبر أن القوانين ابنة سياقها، وهناك سياقات متعددة، أولاها السياسي والحقوقي، فهناك حسب تعبيره مجموعة من القوانين التي مرت في هذه الولاية بطريقة مفروضة وإقصائية وبالإستناد إلى أغلبية الحكومة الموجودة في البرلمان، بالإضافة لحراك جيل زد الذي جاء بمطلبين أساسيين وهو الصحة والتعليم وقوبل بأحكام قاسية لشباب أبرياء وعزل، وثانيها السياق الاجتماعي، حيث أن المغرب يعيش أزمة اجتماعية خانقة، من بطالة وغلاء وتضخم، ورغم ذلك تُقابل بمشروع قانون كهذا، بالإضافة إلى تنصل الدولة من مسؤوليتها الاجتماعية، وثالث هذه السياقات هي الميزانيات حيث أن الحكومات المتعاقبة أغرقت البلاد في المديونية، الشيء الذي ألجأها إلى التمويل المبتكر، وهو بيع أصول الدولة، مثل بيع المستشفيات الجامعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والصندوق المغربي للتقاعد..، ورابعها هو الجامعي، حيث أن هناك بنية تحتية ضعيفة جدا، وضعف في التمويل، وضعف آخر في التوجيه، وآخر هذه السياقات هو سياق دولي ضاغط، فالثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي يسيران بسرعة هائلة، ومستقبلا سنجد أنفسنا متأخرين جدا أمام الجامعات العالمية، وفي نهاية حديثه عن السياقات اعتبر بنمسعود أننا نحتاج لمشروع مجتمعي حقيقي من أجل النهوض..
ليمر بعد ذلك للمنهجية، وأول منهجية اعتمدتها الدولة في صياغة مشروع القانون 59.24 هي المنهجية الفوقية الإقصائية، ثم المنهجية الاستعجالية، ثم الجزئية، تليها الإملائية، تتبعها الإلتقاطية، وبعدها التقشفية، كما أن هناك غياب لإرادة سياسية حقيقية، وارتهان للزمن الحكومي، وفقدان جزء من السيادة بالارتهان للإملاءات الدولية، بالإضافة للانفراد وحضور هاجس السلطة والتحكم والمال،
بعدها تحدث عن المعالم الكبرى لمضامين مشروع القانون، وأن القانون 00.01 تضمن مادة مهمة معنونة بالمبادئ والأهداف، تم حذفها وتشتيتها داخل النص، وأضاف متسائلا “أطرح سؤال: لماذا؟ فمثلما يضاف شيء جديد ونتساءل عنه، من حقنا أن نطرح نفس التساؤل عند الحذف”، وتابع موضحا “لقد حذف من النص ترسيخ العقيدة الإسلامية والثوابت الإسلامية وتعزيز اللغة العربية، وهذه الجملة غير موجودة وعوضت بكلمة واحدة وهي التراث”..
واسترسل بنمسعود مبرزا أن النص في شكله تراجعي، فحسب وصفه أن هناك مكتسبات كانت في القانون 00.01 فيما يتعلق بالديموقراطية والاستقلالية تم تجاوزها، وقانون الإطار تم التراجع عليه، واتفاقيات سابقة كانت مع النقابة الوطنية للتعليم العالي تم الزحف عليها، وانتقل بعد ذلك للإشارة أن مجموعة من الأبواب أضيفت للنص فارغة، وقدم مثالا على ذلك برقمنة التعليم العالي، وموادا أخرى اعتبرها كلاما فارغا وإنشاء فقط.
وفي آخر مداخلات الندوة افتتح الطالب عدنان اللغميش عضو الكتابة الوطنية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب ونائب كاتبها الوطني مداخلته بالتعبير على أن هذه الندوة يعتبرها الاتحاد لقاء ذا أهمية بالغة لحاضر ومستقبل منظومة التعليم العالي والبحث العلمي. فاللحظة الراهنة التي تمر منها المنظومة لحظة استثنائية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، مضيفا “نحن اليوم أمام مشروع قانون مهم ومفصلي، وهو مشروع قانون 59.24، الذي تسارع الوزارة الوصية خطاها لتمريره والمصادقة عليه وإصداره في الجريدة الرسمية. وهي خطوات لها ما بعدها، وتستدعي منا جميعا مزيدا من اليقظة، والمتابعة الدقيقة، والنقاش الرصين المؤسس، ومواصلة مسارنا النضالي بخطوات موحدة ومؤثرة، تصون الجامعة ومنظومة التعليم العالي كلها من كل المشاريع التخريبية الارتجالية، وتحافظ على دورها العلمي والمجتمعي والتنموي الذي لا غنى لبلادنا الحبيب عنه”..
واسترسل مبرزا أنه خلال مداخلته سيقدم قراءة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لمشروع القانون 59.24، مستندا في ذلك على محورين أساسيين. المحور الأول يخص تأخر الإصلاح القانوني وتغييب الفاعلين الجامعيين الأساسيين فيه، والمحور الثاني فيتعلق بمضامين مشروع القانون59.24، وما تحمله من شرعنة للاختلالات وتقويض للمكتسبات..
بخصوص المحور الأول فقد انتقد اللغميش التأخر الكبير في إصلاح القانون المنظم للتعليم العالي 00.01 الصادر سنة 2000، مشيرا إلى أن مشروع القانون الجديد جاء متأخرا جدا ولم يستثمر زمن الانتظار الطويل في جمع التقييمات والملاحظات المتراكمة من الفاعلين الجامعيين حول القانون القديم. وأكد أن المشروع غاب عنه إشراك الفاعلين الأساسيين داخل الجامعة، من طلبة وأساتذة وإداريين، بما في ذلك النقابات الوطنية للتعليم العالي وموظفي التعليم العالي، ما يشكل خرقا للمقاربة التشاركية والدستور، وللمعايير الدولية في الحوار الاجتماعي. كما شدد على أن الطابع الاستعجالي لتمرير المشروع خلال عطلة الصيف يعكس رغبة في تمريره بعيدا عن الفاعلين الأساسيين، وأن المشروع لم يراع التقييم البنيوي أو الفلسفة التي حكمت القانون القديم، ما يجعل من الإصلاح تشريعيا ناقصا وغير شامل..
لينتقل بعد ذلك للتعبير على أن مضامين مشروع القانون 59.24 جاءت مخيبة للآمال وشرعت الاختلالات القائمة، مؤكدا أن المشروع يضرب استقلالية الجامعة من خلال استحداث مجلس الأمناء الذي يغلب عليه التعيين ويحد من قدرة الأستاذ والإداريين على التأثير، مع غياب كامل لتمثيل الطلبة، ما يعزز الطابع الوصائي للمجلس المستحدث مقارنة بصلاحيات مجلس الجامعة التقليدي. كما أبرز استمرار تكبيل الفعل النقابي الطلابي، إذ يضع المشروع أنشطة الطلبة تحت تبعية الأنظمة الداخلية للمؤسسات ويلغي الدعم المادي والمالي للهيئات الطلابية، ما يضعف استقلاليتها وقدرتها على ممارسة النشاط النقابي. وأوضح اللغميش أن المشروع يهدد مبدأ مجانية التعليم وتكافؤ الفرص من خلال إدراج تكوينات مؤدى عنها ضمن التعليم العمومي، ما يمهد لخوصصة التعليم ويضع الطلاب أمام دفع الرسوم، مع تجاهل الوضعية المادية للطلبة وحقهم في التعليم المجاني، وهو ما يقوض المبادئ الأساسية للجامعة العمومية ويضعف دورها في تأهيل الطاقات والكفاءات الوطنية..
وقد أتيحت الفرصة لتفاعل الحضور، حيث أدلوا بمداخلات وإضافات وتساؤلات قيمة ساهمت في تعميق النقاش، وأبانت عن وعي جيل الطلبة الحالي، وتهممهم بموضوع الندوة والسياق الاستثنائي الذي تعيشه منظومة التعليم العالي، وتفاعل المتدخلون مع الحضور، ليخلصوا في ختام الندوة إلى ضرورة العمل المشترك الموحد بين كل القوى الحية الغيورة على التعليم العالي والبحث العلمي، من أجل تشكيل جبهة وطنية تدافع عن المنظومة قصد إحداث إصلاح شامل، بالإضافة إلى مواصلة الضغط الميداني التصاعدي في الساحات والميادين الجامعية، لفرض وقف تمرير هذا القانون.