الرئيسيةرأي حر

"صلاح الدين في عيون الأعداء" بقلم أيوب الكحلة 

منذ الصغر، وكلما تطرقنا لقضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى، إلا وحضرت في أذهاننا شخصية صلاح الدين، وكلما ذكرت القدس إلا وكانت صورته ماثلة في مخيلتنا، ذلك القائد الهمام، والذي يعد من أبرز الشخصيات التي خلدها التاريخ الإنساني. فعلى الرغم من أنه لم يحكم سوى عشرين سنة، ولم يواجه سوى حملة صليبية واحدة (الثالثة) -من الحملات الثمانية- إلا أنه استطاع أن يخلد في التاريخ كواحد من أهم أبطاله، وكيف لا وهو الذي حرر القدس من يد الصليبيين بعد قرابة قرن من احتلالها، وصمد أمام جيوش أوربا وأقوى ملوكها، وحافظ على بقاء بيت المقدس في حوزة المسلمين. ولئن كثر الحديث عن القائد صلاح الدين من المؤرخين العرب، لاسيما بعدما احتل بيت المقدس من طرف الكيان الصهيوني، فقد حاولت في هذا المقال جمع أبرز ما قيل في صفات هذا القائد الهمام، لكن هذه المرة من طرف المؤرخين الغرب و المستشرقين.
وأول مؤرخ غربي أستهل به هو ستانلي لين بول في كتابه “صلاح الدين وسقوط مملكة بيت المقدس” الذي نقل عن مؤرخ مسيحي كان شاهد عيان اسمه أرنول، وكيف تعامل صلاح الدين مع المسيحيين بعد استرجاع القدس، ويقول في هذا الصدد:《…أمر صلاح الدين حراسه أن يعلنوا في جميع شوارع القدس، أن كل الرجال المسنين الذين لا يتمكنون من دفع الفدية أحرار ليرحلوا…هكذا كان إحسان صلاح الدين للناس الفقراء الذين لا يحصى عددهم…》 هذه الخصال تبرز لنا سخاء ورحمة وحلم هذا السلطان في تعامله مع أعدائه بعدما هزموا وصاروا أسرى… هذه الخصال التي تغيب عن أنظمتنا العربية حتى مع مواطنيها. ومن المستشرقين الذين أثنوا على القائد صلاح الدين، المؤرخ الشهير ول ديورنت في كتابه “قصة الحضارة” والذي اعتبر أن صلاح الدين أنبل من اشترك في الحروب الصليبية بإجماع كل من عاشوا في حقبته، وأن قسوته على أعدائه لم يكن يكافئها إلا شفقته بالضعفاء والمغلوبين، ورقته بخدمه، وقد كان صلاح الدين يستمع بنفسه إلى مطالب الشعب جميعها، وكانت قيمة المال عنده لا تزيد عن قيمة التراب، ولم يترك في خزانته الخاصة بعد موته إلا دينارا واحدا… وحكام بلاد العرب اليوم يكدسون الأموال في البنوك الأوربية، في حين أن الشعوب تعيش تحت عتبات الفقر، وهناك من لا يجد قوت يومه. فصلاح الدين كان لا يولي اهتماما للمال، بل كان يهتم بمشاكل الأمة ويستمع إلى الأفراد بنفسه. وننقل على لسان المؤرخ الانجليزي الشهير إدوارد جيبون في موسوعته الشهيرة “تاريخ إضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية” ،والذي بالغ في الثناء عليه حيث قال:《روحه الطموحة سرعان ما تخلت عن إغراءات اللذة لما هو أعظم خطرا من الشهرة والسلطان. كانت ملابسه من الصوف الخشن، وكان الماء شرابه الوحيد، فقد كان في زهده أكثر من نبيه》بالرغم من اعتراضنا على هذه المبالغة السفيهة من طرف المؤرخ، يتضح لنا تأثير شخصية صلاح الدين على الغرب، حتى بالغوا في وصفه، فهناك من ألفوا عنه قصصا أسطورية واعتبروا نسله مسيحيا.
ختاما، فقد تعددت الكتابات عن صلاح الدين من طرف المستشرقين والغرب، حيث جمعت في سيرته حوالي أربعين مؤلفا. فهناك من أفرد له كتابا، وهناك من سرد سيرته ومواقفه داخل فصول في مجلداته، معترفين بزهده وتواضعه وأخلاقه، وكيف كان يدافع عن الإسلام سواء بالفعل أو بالحال ضد أعدائه. فما أحوجنا لأمثال صلاح الدين لرد الاعتبار للأمة، وإعادة القدس وفلسطين لسابق عهدهما. خاصة وأننا نجد اليوم أنظمتنا الاستبدادية تضع يدها في يد الكيان الصهيوني، وتطبع معه ليل نهار في الخفاء والعلن، لذلك فعودة أرض أولى القبلتين رهينة بتحرر أوطاننا من أنظمة الجبر والطغيان، ولم شمل أمتنا الإسلامية، وصناعة الرجال التي هي أولى من صناعة السفن والطائرات.
يحكى عن صلاح الدين أنه كان يتفقد جنده بالليل، فإذا وجد رجالا قائمين يصلون قال: “من هنا يأتي النصر”

بقلم أيوب الكحلة 
طالب بالمركز الجامعي المتعدد التخصصات – قلعة السراغنة

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق