رأي حر

ذاكرة أوطم… من أجل تجاوز الوعي الشقي بالزمن

حميد داحسو

لاشك أن الاهتمام بالتاريخ و حفظ الذاكرة الجماعية للشعوب من أهم مقومات تشكل الهوية، إذ الهوية ذاكرة. مقومات لا يمكن لفاعل أصيل يقترح نفسه على الواقع و على التاريخ ان يتجاهلها، مادام أن من لم يحافظ على تاريخ قد يضيع مستقبله. و لا تخرج الحركة الطلابية عن هذا المسار بما هي حركة إجتماعية لها موقع في النسيج الاجتماعي، موقع يخول التأثير و التأثر. ومن الاسئلة الاكثر احراجا للحركة الطلابية المغربية اليوم هو سؤال التاريخ. سؤال أي تاريخ لأية حركة؟ جدير بالذكر أن التاريخ الذي نقصد ليس مجرد سرد لأحداث و شخوص التاريخ، بل الدرس الثاوي خلف تلك الاحداث، فلا تهمنا صور أحداث التاريخ إلا بمقدار ما تهمنا عبرة التاريخ. هذه العبرة و هذا الدرس هو الذي سيمكننا إستثمار بناء للتاريخ، في أفق بناء مشترك إنساني. فيكون بذلك التاريخ عامل بناء ووحدة بدل عامل هدم تفجير للحاضر و المستقبل.
إن من أهم المعضلات التي تعاني منها الحركة الطلابية، هو مشكل تشكل الوعي التاريخي، فهي حركة دائمة التغير و الديمومة و من الصعب الامساك بلحظات المفصلية، فالزمن الطلابي زمن سريع بالمقارنة مع الزمن السياسي و المجتمعي العام. بالتالي فهو تاريخ مضاد للتراكم، خصوصا أن ضغط الواقع اليومي و هموم المصير، و قصر العمر الطلابي للمناضل و الفاعل الطلابي، يمنعان من تسجيل اللحظات المفصلية و تقديم شهادة على العصر الطلابي. ثم هناك قضية شخصنة التاريخ الطلابي بين فصائله. حيث أن تاريخ أوطم اليوم تاريخ تفرق دمه بين القبائل. و بالتالي يكون رهان كل فصيل هو السطو على التاريخ و العمل على إكتساب شرعبة تاريخية ضدا على الفصيل الخصم. خصوصا إذا استحضرنا أن العلاقة التاريخية بين أغلبية الفصائل الطلابية المغربية علاقة صراعية حد إزهاق الارواح. و بالتالي فإن أي استعادة لهذا التاريخ غالبا ما تكون إستعادة تراجيدية، إن الذاكرة الاوطامية في عمومها ذاكرة تراجيدية. تفجر ألغاما على مستوى حاضر العلاقات الفصائلية بل حتى السياسية التي لها امتداداتها الطلابية ذات تاريخ.
لكن المنظور الذي يفرضه نفسه اليوم و تحاول مجموعة من الفصائل و التيارات السياسية استحضار هذا التاريخ ينم عن وعي بخطورة أن يكون الحاضر و المستقبل رهين هذه الذاكرة لحركة عنفوانية هي الحركة الطلابية. بالتالي هنا يجب أن نفتح التاريخ الطلابي بما يخدم قضية المصير المستقبلي، بعيدا عن المحاصصة، وبعيدا عن رمزية الدم و الشهادة بين أبناء الوطن الواحد الذين يعانون جميعا من عنف مادي و رمزي استبدادي. و هنا يكون التاريخ الجديد الذي يتم بناء مقوما رئيسيا لتوحيد وتوجيه الغضب الطلابي ضد الاستبداد الذي كان الطلبة يتقاتلون بسبب مخرجاته المجتمعية، أهمها فشل المنظومة التعليمية و البطالة… بالتالي لابد من تجاوز كل قراءة إختزالية للتاريخ الذي تحصره في لحظات الصراع الفصائلي يجب استحضار لحظات المقاومة لمخططات التدجين السياسي الرسمي. ثم تجاوز كل قراءة انتقائية حيث يسعى كل فصيل لانتقاء أحداث يؤكد فيه مشروعية تواجده هو لينفي عن الأخر مشروعية وجوده.
إن قراءة لا تصنع وعيا مستقبليا بأهمية العمل المشترك ضد الفساد و الاستبداد، لهي قراءة تضليلية. فالأهم هنا هو إعادة بناء ماضي جديد من أجل بناء حاضر و مستقبل جديد. و نرجع العديد من الممارسات الماضية إلى سياقها التاريخي المحدود، و هنا ننبه أن الجهات الرسمية تحاول دائما تنكيئ الجرح و تعيد عقارب الزمن الطلابي إلى لحظة الصفر، بتحيين ملفات متقادمة و أغلبها لا يستند إلى أي أساس، من أجل تصفية حسابات سياسية و منع أي تقارب ممكن بين اطراف مجتمعية معروفة غدت مقتنعة بضرورة العمل المشترك، بينما الملفات الواضحة التي تتحمل فيها الدولة مسؤولية مباشرة في طي النسيان و الاهمال!!. و الغرض هو منع  الإطارات الطلابية من إدراك الخصم الحقيقي.
أعيد لأقول إن التاريخ الطلابي ليس تاريخ فصائله فقط بل تاريخ كل الطلبة، ويجب أن يكون إلتزاما اخلاقيا للفصائل الطلابية على صيانته و إخراجه للوجود بما يخدم قضية الطلبة أولا و المنظمة الطلابية ثانيا، و ثالثا،و هم الاهم، أن يكون عامل بناء مشترك إنساني عبر بوابة الحوار و لا شيئ غير الحوار. و تغييب الذاكرة التراجيدية و استعاضتها بذاكرة جماعية تمجد الاختلاف و تحترم التنوع و تنظر إلى الاخطاء في سياقها التاريخي المحدود، مع التحلي بالجرأة الادبية و الفكرية في أن يقوم كل فصيل ذاته و تاريخه بما يخدم المصير المشترك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق