رأي حر

دفاعا عن شرف العلم و مجانية التعليم

 لو علمنا أن المغرب يحتاج في هذه اللحظات التاريخية إلى لجنة  صورية  معينة  لصياغة الدستور، لطالبنا جماعة المنوني
ميلود الرحالي

بضرورة دسترة بعض البنود الضرورية الخاصة بالتعليم،  لكن يقيننا  بعدم جدوى مثل هذه اللجان، خصوصا في ضوء استمرار عقليات الاستبداد و رموز الفساد في نفس النهج و السياسة التي طالما حذر منها الفضلاء بهذا البلد، يقين يجعلنا نتوجه بالحديث إلى إرادة الشعب و قواه الحقيقية فقط.
يستطيع التعليم أن يكون سبيلنا إلى التقدم و الرقي إذا أصبح قضية شعبية، قضية السياسي و المثقف و الحرفي و العامل و ربة البيت و التاجر و……و على نقيض ما يراد له الآن من تبضيع و مقاولاتية، يستطيع تعليمنا صناعة القادة و العقول الحرة القادرة على بناء مغرب المنافسة و التحرر من التبعية العمياء، إذا نحن تيقنا جميعا أن الخلل المنهجي في مقاربة قضية التعليم إنما هو حتما فتح الباب على مصراعيه نحو التخلف و الرذيلة و الانقياد.
كشفت دراسة قام بها مركز دراسات برلين يوم الأربعاء الماضي، أن واحدا من بين كل ثلاثة طلاب جامعيين في العاصمة الألمانية، يفكر في ممارسة أعمال جنسية كوسيلة لتمويل تعليمه، وكذلك هو الأمر تقريبا في العاصمة الفرنسية باريس.
وكانت النسبة في برلين ، حيث يسمح القانون بممارسة الدعارة، أكبر من مثيلتها لدى الطلاب في كل من باريس، والتي بلغت 29.2 بالمئة، وكييف التي بلغت 18.5 بالمئة، وثلاثة مدن أخرى لم يكشف عنها التقرير.
من مثل هذه التداعيات يحذر العقلاء المطالبون بمجانية التعليم، و بعيدا عن المقاربة الاقتصادية و التخوف من نفقات التعليم التي أصبحت هاجس الساسة عندنا تحت وطأة تهديدات المؤسسات المانحة، نقول لمن يهمهم الأمر إن القضية أعمق من أن تختصر في رسوم أو مقابل يؤديه الطالب أو عائلته بالنيابة. إنها قضية أمة يحتم عليها الاختيار بين الكرامة أو الهوان، كرامة تقتضي ترشيد كل فعل له تداعياته العامة على الشعب بكل فئاته، أو هوان له كذلك تداعياته الخاصة.
هذا التقرير يضعنا أمام مخرج واحد من بين العشرات من المخارج المدمرة التي ستفرض على الطلاب لتعويض نفقات تعليمهم، و لعلنا سنصاب بالصدمة إذا تمت مباشرة هذه العملية الإحصائية بنزاهة و استقلالية في صفوف الطلبة المغاربة. و في هذه الأثناء التي يتبجح فيها الجاثمون على رسم سياسات التعليم بمجانيته التفافا على كل الحقائق، لو تمت دراسة من هذا القبيل لرأينا بأم أعيننا حجم المآسي التي يتخبط فيها الطلاب المغاربة أنفسهم.
لقد أصبحت بعض الأحياء الجامعية الخاصة بالطالبات مرتعا خصبا لتجار الهوى و سماسرة النخاسة، و لعلنا قرأنا بعض المقالات التي تضمنت شهادات حية من طالبات في ريعان مراهقتهن يبعن الليلة الواحدة بل الليالي من كرامتهن مقابل أجر ما.
حقائق مثل هذه لا تصدم الساسة عندنا لأنهم يقولون أننا جزء من العالم، و هذه ظواهر عالمية لا يستثنى منها بلد. لكن عندما نجابههم بضرورة الانتقال من الاستبداد إلى الحرية يتلكؤون بدعوى الاستثناء و الخصوصية.
خلصت الدراسة المذكورة إلى أن أربعة بالمائة من 3200 طالب استطلعت آراءهم في برلين، قاموا بالفعل بممارسة بعض الأعمال الجنسية، والتي تتضمن الدعارة والتعري وتقديم عروض عبر الانترنت.
وفاجأت النتائج القائمين على الدراسة، الذين قالوا إنهم أجروها لأن هناك كثيرا من الكلام عن دعارة الطلبة، لكن لا توجد سوى معلومات قليلة عن علاقتها بسياسة التعليم.
أينك أيتها السياسة، لقد اشتقنا إليك، ما عدنا نرى و نسمع إلا هراء باسم السياسة و لغوا باسم الخطاب و تخبطا باسم البرمجة. فلا فن ولا ممكن في زمن الانحطاط و القهقرة.
قالت إيفا بلومنتشاين (26 عاما) و هي طالبة بجامعة هومبولت بألمانيا و إحدى المشاركات في إعداد الدراسة: “الدافع الرئيسي لتحول الطلاب إلى الدعارة هي الحوافز المالية حيث يعتبر أجر ساعة العمل بها هو الأعلى.”
وقالت بلومنتشاين: “إن الاصلاحات التي أدخلت في الآونة الأخيرة على التعليم، بهدف تقليص السنوات التي يقضيها الطلاب بالجامعات ربما لعبت دورا في سعيهم للبحث عن عمل بمجال الجنس”.
فلتسمعوا يا من يتباهون باستيراد المناهج و البرامج الغربية ما يقوله هؤلاء عن آفة تقليص سنوات الدراسة خوفا من تكاليف التدريس.
وأضافت: “من المحتمل أن إصلاحات التعليم زادت العبء على الطلاب و لم يعد أمامهم متسع من الوقت لكسب المال، ويتواكب مع هذا زيادة مصاريف التعليم، عندئذ ينقاد الطلاب إلى الدعارة.”
و أوضحت الدراسة أن ثلاثين بالمائة من الطلاب الذين يعملون بصناعة الجنس تراكمت عليهم الديون، هذا بالمقارنة مع 18 بالمائة من الطلاب الذين قالوا إنهم يفكرون بممارسة أعمال جنسية، وكانوا مدينين بالفعل.
نتائج متوقعة، بل الفاجعة إن هذا يحصل في دول ديمقراطية لا تعرف للاستبداد رائحة ، كما أنها تعد كل الخطط لتمكين الطلبة من الحصول على عمل إبان المرحلة الجامعية، و تشجع الغالبية العظمى من الفقراء و ذووا الحاجات عبر أوراش المجتمع المدني و المؤسسات الاجتماعية.
فما بالكم بالنتائج  في بلد ينخره اقتصاد الريع و جشع مقاولات العائلات الحاكمة.
مخجل حقا أن يتشدق الساسة عبر وسائل الإعلام أن مشكلة التعليم هي عدم الملائمة لسوق الشغل، و كأن التعليم مركز اتصال لتلبية رغبات السادة وراء البحار. متى كان العلم يقارب بهذه الوقاحة، و متى انحط شرف العلم حتى أصبحنا نسمع عن عدم جدوى التعلمات المفتوحة من قبيل الدراسات العربية و الإسلامية و القانونية، بل الأدهى و الأمر أن تعليمنا أصبح عبارة عن أوراش للتكوين المهني و إتقان اللغات لتسهيل التواصل على السائح الأجنبي في بلد التسامح و التعايش و حوار الثقافات.
 إنهم يريدون لنا أن نكون طلاب نخاسة و خداما للاستكبار باسم طلب العلم.
عندما كان الشرف للعلم و العالم و المتعلم في بلاد العرب و المسلمين، تطوع الشعب لتحمل تكاليف التعليم على نفقاته الخاصة خوفا من أن يدخل العلم نفق المقاربات السياسية المنحطة و سوق المزايدات. أما اليوم فقد أممت المساجد و المدارس و الجامعات و وضعت تحت الحراسة النظرية لوزارة الداخلية و هاجس الأمن و القمع يستبيح كل حرم للعلم و طلابه.
يحيلنا التقرير السابق إلى مؤشر آخر في التعاطي الإحصائي مع التعليم. إذا كان الأخصائيون يحبذون التعاطي المقاولاتي مع التعليم باعتبار الجودة مرتبطة بفائض القيمة بين المدخلات و المخرجات، فإنه من المنطقي رصد كل المخرجات الناتجة عن هذه السياسات المبتذلة للتعليم. الدعارة إحدى المخرجات كما هو الشأن بالنسبة لحالات التعاطي للمخدرات بسبب الإحباط الدراسي و الانتحار و انعدام القدرة على النجاح في الحياة بسبب الإرهاق الكلي للعقول جراء الامتحانات المنسوخة الفائقة لكل قدرات الطلبة…..
من المخارج أيضا هذه الأعداد الهائلة من الأطر الهاربة من جحيم البطالة و التي يكتب لبعضها الإدماج في المجتمعات الغربية، أما البعض الآخر فينسى في بطن الحوت أو يرجع جثة هامدة. هذه المخرجات و غيرها كثير، لا يدخلونها في الاعتبار حتى يعرفوا حجم الإخفاق و التراجع الذي يحصدونه جراء انحصارهم و خضوعهم لأوامر المؤسسات و الصناديق المانحة.
حتما لن نرضى بمقاربات كهذه، لأننا لا نريد لأنفسنا ولا لأهالينا أن نكون مشاريع لبيع الهوى و كراء القدرات. لكن عدم الرضى يحتاج إلى قطيعة معرفية و عملية مع كل تلميح أو تصريح أو مقاربة أو أشخاص تمت إلى زمن الانبطاح بصلة.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق