
مع بداية الموسم الجامعي الجديد، تجد الجامعة المغربية نفسها أمام مرحلة جديدة من السياسات والتدابير التي تقدم تحت عنوان «الإصلاح»، في وقت ما تزال فيه مجموعة من الاختلالات البنيوية مطروحة بقوة: الاكتظاظ، تفاوت شروط التكوين، محدودية الفضاءات والتجهيزات، هزالة المنحة وأحياء جامعية مهترئة، وأسئلة الجودة والملاءمة مع حاجات الطلبة وسوق الشغل.
وفي هذا السياق، يثير القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي نقاشاً واسعاً حول مستقبل الجامعة وسبل تمويلها وتنظيمها وشروط الولوج إليها. وقد صدر القانون بشكل رسمي في فبراير 2026، وهو نص يعيد تنظيم مجموعة من جوانب التعليم العالي والبحث العلمي، بما فيها التمويل والهندسة البيداغوجية.
إن النقاش حول رسوم التسجيل بالنسبة لبعض فئات الطلبة، ولا سيما الموظفين والأجراء، لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش تقني معزول عن سؤال أعمق: ما معنى أن نتحدث عن إصلاح الجامعة دون أن نضمن أولاً شروط الولوج العادل إليها؟
فالفصل 31 من الدستور المغربي يقر حق المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، في الاستفادة من تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة. ولذلك فإن أي سياسة جديدة في مجال التعليم العالي تستحق أن تُناقش من زاوية أثرها على تكافؤ الفرص والقدرة الفعلية للطلبة على متابعة دراستهم.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: ما هو الإصلاح الجديد؟ وإنما أيضاً: ما الذي تم إصلاحه فعلياً من الاختلالات القديمة؟
فإعادة توزيع المؤسسات الجامعية أو تغيير بنياتها التنظيمية لا يمكن أن تكون هدفاً في حد ذاتها. الإصلاح الحقيقي يقاس بمدى انعكاسه على الطالب: جودة التكوين، توفر المدرجات والمختبرات، تحسين ظروف البحث العلمي، الولوج إلى الخدمات الجامعية، توفير الموارد البشرية الكافية، وتطوير التكوينات بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية. كما أن أي تغيير هيكلي يحتاج إلى دراسة دقيقة للقدرات المادية والبشرية، وجدولة واضحة للتنفيذ، ومؤشرات قابلة للقياس لتقييم النتائج، وإلا فإن خطر الانتقال من اختلالات قائمة إلى اختلالات جديدة يظل قائماً.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن واقع الشباب المغربي خارج أسوار الجامعة.فقد بلغ عدد العاطلين في المغرب حوالي 1.621 مليون شخص، فيما بلغ معدل البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة 37.2%، و19.1% لدى حاملي الشهادات.
هذه الأرقام تجعل من الجامعة أكثر من مجرد فضاء للتكوين؛ إنها إحدى أهم ساحات بناء المستقبل الاجتماعي والاقتصادي للشباب. ومن ثم، فإن تحميل الطالب أعباء إضافية، دون معالجة الأسباب البنيوية التي تحد من جودة التكوين وفرص الإدماج، يستوجب نقاشاً عمومياً واسعاً ومسؤولاً.
تتزامن هذه التحولات مع واقع اجتماعي أكثر تعقيداً. فارتفاع البطالة وسط الشباب وحاملي الشهادات يضع الجامعة أمام مسؤولية مزدوجة: توفير تكوين ذي جودة، والمساهمة في بناء مستقبل يضمن إدماجا اقتصاديا، اذ لا ينبغي اختزال هذه الظاهرة في عامل واحد، كما لا يصح تحميل الجامعة وحدها مسؤولية ظاهرة الهجرة غير النظامية. غير أن هذه الأحداث تعيد طرح سؤال جوهري: أي أفق نقدمه لشباب يدرس ويتخرج ثم يصطدم بواقع اقتصادي لا يضمن له بالضرورة فرصة شغل تحفظ كرامته وتستثمر كفاءاته؟
وفي موازاة النقاش حول الجامعة، يستمر الجدل حول طبيعة العلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني ومستقبل التعاون بينهما. فقد شهد الشهر الجاري تطوراً جديداً تمثل، وفق تقارير صحفية، في تجاوز مرحلة مكتب الاتصال إلى فتح سفارات وتعيين سفراء، في تنازل سافر عن القيم الانسانية والإرادة الشعبية.
إن المناضلين والمناضلات في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، لن يتنازلوا عن رفضهم القاطع لكل التشريعات والقوانين الرامية إلى تحويل الجامعة إلى سوق للتعليم المؤدى عنه وعلى رأسها المادة 81 من القانون 59.24، كما انهم لم ولن يتنازلوا عن موقفهم المبدئي تجاه قضية الأمة المركزية، والرفض التام لكل أشكال الاختراق والتطبيع الأكاديمي الذي يبيح للكيان الغاشم موطئ قدم في جامعاتنا وفي بلدنا الحبيب.