إيمانيات

الأسباب المؤدية لعدم الثبات على الدين

1- التنشئة الأسرية:
من الضروري أن أي صلاح أو اعوجاج في النشأ مرده للأسرة وخاصة للأبوين، لأنهما القدوة والمرجع في كل صغيرة وكبيرة، ومن هنا يمكن أن نتحدث عن المجتمع الصالح الذي يتحمل فيه الأبوين والأبناء مسؤوليتهم في شيوع الأخلاق الحميدة والثبات على الدين الإسلامي الصحيح النقي من الشوائب.
لكن بالمقابل يتحمل الأبوين كامل المسؤولية في فساد أبناءهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته) رواه البخاري، فالقدوة الحسنة أهم الوسائل التربوية في عصر كثرت فيه وسائل الانحراف، فقد ينجح الوالدان في جوانب أخرى في تربية أبناءهم، غير أن البناء التربوي يبقى مهما ومصيريا، وهو ما ينسجم مع الهوية الإسلامية ومبادئ الإسلام خلقا وسلوكا، ونظرة إلى الحياة التي تجسدها وبشكل عملي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقا لقوله تعالى(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) سورة الأحزاب الآية 21 .
وخلاصته أن تمسك الآباء والأبناء بسيرته يجنب الأبناء الانحراف والزيغ، ويجعل الآباء خير قدوة في الدنيا ليكون لهم الفوز في الآخرة جزاء الدرية الصالحة .
2- صحبة أقران السوء:
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة” متفق عليه، لقد نال الصحابة رضوان الله عليهم ما نالوه من ثبات وحسن خلق لصحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا بذلك خير خلف لخير سلف، وأمر الصحبة بالغ الأهمية فكثير من الناس زاغوا عن الطريق المستقيم لصحبتهم الفاسدة، وبالمقابل الكثير من الناس فازوا بالدرجات لصحبتهم الحسنة وكينونتهم مع المؤمنين، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين العالم الرباني ” هل جاءنا الدين من الأوراق والكتب أم من قنوات القلوب المؤمنة؟ من أبوين ربيا على الإيمان، ومعلم صالح، وواعظ متق، وعالم عامل، ونموذج حي ماثل يحتذي حذوه، ويقتدى به ويحَب ؟… هل هي سلسلة من أصحاب، والمصاحبة انقطعت، أم الأمر لا يزال مستمرا من قلب لقلوب ؟ نقف ونبحث ونتساءل عن الكيفية التي أوتي بها الصحابة الإيمان قبل القرآن، فتلقوا القرآن بتعظيم وطاعة، بينما آخرون ينثرونه نثر الدقل، ذاق الصحابة حلاوة الإيمان وطعموا طعمه، وحصل لهم اليقين، ذوَّقوا طعم الإيمان تابعيهم وذوَّق تابعوهم تابعيهم، والجداول النورانية حية لا تزال متدفقة ينور الله بها عباده. و يحيي بها أرض القلوب كما يحيي بغيث السحاب أرض الزرع. ما الأمر معلومات وإقناع فكري، بل هو إقناع قلبي عقلي وجداني أفاضه جيل على جيل، وجليس على جلساء، ومحبوب في الله على محبين في الله”كتاب تنوير المؤمنات ج 2 .
وللأهمية التي يلعبها الخليل في حياة المرء، فقد دعا رسول الله ( إلى حسن الاختيار، فقال:” المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” رواه أبو داود والترمذي بسند حسن. وقال تعالى:(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)الزخرف:67
فالصحبة كالبيئة، إما أن تكون ملوثة أو تكون نظيفة.. فمن عاش في بيئة ملوثة ناله نصيب وافر من الأمراض والأوبئة المهلكة، أما من حرص على العيش في بيئة نظيفة فسيبقى في منأى عن كل ذلك، والغريب أن يختار الإنسان ما يهلكه ويشقيه، وصدق انس رضي الله عنه حيث قال:” عليك بإخوان الصدق، فعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء “.
3- الغفلة و النسيان:
كان معاذ رضي الله عنه يقول : اجلسوا بنا نؤمن ساعة وقد تؤدي الغفلة، أو النسيان بالإنسان إلى عدم الثبات، وحينئذ يجب أن يتعلم من ذلك درسا لا ينساه على مدار الزمان فلا يتكرر منه هذا الخطأ، يقول ابن القيم:’ فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه، وصداه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فـيه صور المعلومات على ما هي عليه، فـيرى الباطل فـي صورة الحق والحق فـي صورة الباطل، لأنّه لما تراكم عليه الصدأ اظلم فلم تظهر فـيه صورة الحقائق كما هي عليه فإذا تراكم عليه الصدأ وأسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقا ولا ينكر باطلا’. قال تعالى فـي الغفلة:(وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فـي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) الأنبياء:97، وقال: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فـي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) مريم:39،وقال فـي النسيان:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) الكهف:57.
 فعلاج الغفلة والنسيان يكون بملازمة مجالس الإيمان وكثرة الاستغفار، ودوام التذكير، وذكر الله عز وجل قال تعالى (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً) الكهف:24
4- الإعجاب بالنفس:
عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق:’ إنّ أحدكم يجمع خلقه فـي بطن أمه فـي أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه الملك فـينفخ فـيه ويؤمر بأربع يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثمّ يسبق عليه الكتاب فـيختم له بعمل أهل النار فـيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثمّ يسبق عليه الكتاب فـيختم له بعمل أهل الجنة فـيدخلها’.
فمن أسباب اضطراب القلب وعدم ثباته الإعجاب بالنفس والاتكال على العمل، والعجب  بالنفس أمره خطير، فكم من معجب بنفسه لم يجتهد فـي تزكيتها، وأهمل تربيتها ومحاسبتها، ولم يتزود لوعورة الطريق وآلامها، فانهار وضعف مع أول محنة أو شدة لاقته، والذي يطرد صفة العجب، مجاهدة النفس، وإلزامها التواضع، وإلجامها عن الغرور والرياء، واستخراج حظ الشيطان منها قال تعالى ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فـينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)العنكبوت:69 وأن يعلم أن الأعمال بالخواتيم، وليس بواقع الحال ذلك ؛ فإذا كان كذلك لم يغتر بظاهر صلاح حاله، وظل مستيقظا حذرا، (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) الحديد:14
5- الحماس والاستعجال:
 فالحماس أو العاطفة ما لم تكن موزونة بميزان الشرع، ومحكومة بلجام العقل، فإنّها تسلب صاحبها الإدراك التام والوعي والبصيرة، وقد يستعجل بلوغ الغاية أو الهدف، فإذ به يخطئ كثيرا، ثم ما يلبث أن يتراجع ولا يثبت، فـيسقط قبل الوصول. فالحماس يجب أن يكون منضبطا بالوعي المبصر، والبصيرة الواعية،(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف:108
6- اليأس:
اليأس من معوقات الثبات والتزام الطريق المستقيم، وهو خلق غالبا ما يفضي إلى ترك العمل  الصالح، والجهاد والدعوة إلى الله تعالى، وهذه خصلة ذميمة و نتيجة لشيوع الهم والغم وقلة العمل قال الله تعالى:(ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) يوسف:87، وقوله تعالى (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) الرعد:31 ، قال البراء بن عازب:إن الرجل يصيب الذنب فـيلقي بيديه، ويقول قد بالغت فـي المعاصي ولا فائدة فـي التوبة فـييأس من الله فـينهمك بعد ذلك فـي المعاصي فالهلاك اليأس من الله’.
يجب على المؤمن الطاهر أن يبتعد قدر الإمكان عن اليأس ومسبباته ، وأن يتمسك والبديل بالأمل  فـي الله تعالى، والصبر، فهما صفتان حميدتان  تدفعان المرء إلى مواصلة السير حتى تحقيق المقصود والمبتغى، ومن قلّ صبره لم يصل إلى مراده، وما من طريق إلا وسالكه يحتاج إلى الصبر.قال تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة:24.
7- ضعف الرّؤية الإيمانية لمفهوم الصراع بين الحقّ والباطل: 
 حينما يستعلي الباطل وتكون له الغلبة الظاهرية، و بسبب غياب الرؤية المستقبلية واليقين في موعود الله تعالى، وضعف الإيمان بالوعد الإلهي بالنصر والغلبة لأصحاب الحق، وبأن الحرب سجال، إن غلبة الباطل فـي جولة معينة لا يعني أن هذه الغلبة مطلقة ودائمة، أو بأن الحق لن يستطيع مقاومته، وعليه بالتالي أن يخضع ويستسلم، كلا بل على أصحاب الحق أن يستعيدوا ثقتهم أولا فـي ربهم عز وجل، ثم فـي أنفسهم ثم يستعدوا للجولة القادمة مصداقا لقوله عز وجل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فـي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) الأنفال:60.
كانت هذه بعض الأسباب التي تجعل المرء في سيره إلى الآخرة قد يزيغ عن الطريق المستقيم الذي أمر الله عز وجل عباده بإتباعه، كي يكون الفلاح والتوفيق في الدنيا والفوز والنجاة في الآخرة
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق